الأم ضابط إيقاع في حياة كل شخص، وإن أرق الألحان وأعذب الأنغام لا يعزفها إلا قلب الأم «بيتهوفن»، ويستطيع أي منا أن يصفها بأجمل العبارات والكلمات؛ فهي لحن الحياة، وبحنانها تحيا البشرية، وبعطائها يولد الإنسان، وببسمتها أجمل معاني الإنسانية، وهذه المعاني تتجسد بعاطفتها، ويبجل العالم هذه الخصائص الموجودة في الأم.
إذا أردنا أن نُعد جيلاً ذا فكر فعلينا أن نُعد أماً صاحبة عقل راجح، وكما قال الشاعر الكبير حافظ إبراهيم «الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق»، وأنا أقول: إن الأم «وزيرة وطن» فهي تدير شؤون المجتمع بأكمله من دون منصب، أو وزارات ولا بدلات ولا حتى راتب تتقاضاه، وخير مثال على ذلك سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله، فعلى يدها تربت بنات الإمارات، ومن تحت مظلتها تخرجت الوزيرات، وبتطلعاتها وأفكارها اعتلت المرأة الإماراتية أعلى المناصب في الحكومات، وبحنانها وعاطفتها وطيب قلبها سميت «أم الإمارات»، وفضلها باق في وجداننا خير شاهد.
من المؤكد أن أعظم دور للمرأة خصها الله تعالى به هي «الأمومة»، فهذا الدور الذي يجمع جميع مهام الحياة تحت مسمى واحد، فهي التي تدير منظومة تربية الأولاد وتعليمهم، فتكون بذلك «منشئة الأجيال»، وإن درسنا هذه المهمة فهي تستخدم لينها وعاطفتها لتدخل الحب في قلوب الأبناء، وهي أيضاً من تستخدم حزمها وعقلها حين تصدر الأحكام والقرارات سواء لإنصافهم أو لإدانتهم حين تنشب الخلافات، وبهذا تعتلي منصب «القاضية في البيت».
يكثر الحديث اتهاماً للمرأة بأن عاطفتها هي من تُسير حياتها، في حين أثبتت الدراسات أن المرأة قادرة على إدارة شؤون البيت أكثر من الرجل، والبيت يمثل المكوّن الأولي للمجتمع، وداخله تتشعب العلاقات والقرارات، فإذا كانت المرأة أنجح وأقدر في إدارة هذا المكوّن، فهي بالتأكيد قادرة على إدارة ما هو أكبر وأعمق. ومن منا لا يحتاج إلى هذه العاطفة؛ فنحن نولد من رحم أم تغمرنا بحنانها، ونعيش بظلها سنوات عمرنا كله، فكيف لنا أن نعشق هذه العاطفة العظيمة للمرأة، وأن نعيبها لنفس السبب، أليست الأم في البيت قاضية، وفي المجتمع وزيرة.
خلال مشاركتنا في مؤتمر «المرأة والقضاء» أخيراً في دولة الكويت، لبحث دور المرأة في سلك القضاء: نجاحاتها وإنجازاتها، وأيضاً صعوباتها، وخلال ذلك اتُهمت المرأة بأنها تقضي بموجب عاطفتها، وأن مشاعرها الجياشة تعيق عملها في سلك القضاء، وهنا نتساءل: هل العواطف غير مطلوبة في القضاء؟! أم إن العواطف غير مطلوبة في جميع تعاملاتنا الحياتية؟!
العاطفة مزيج من الانفعالات سواء الإيجابية أو السلبية، وهي صفة إنسانية يتمتع بها الرجل والمرأة، ولا خلاف بينهما؛ فالعاطفة تتأثر بالبيئة التي نشأ منها الشخص، ولا تعتمد بمنطقها باعتبار الجنس..
وفي منطق العاطفة العمر له دور في تشكيل العاطفة أكثر من تأثير الجنس، وأيضاً البيئة التي نشأ فيها الشخص تشكل جزءاً مهماً من عواطفه، والبشر بجنسيهم يتأثرون به، ومنطق العقل لا يتنافى أبداً مع منطق العاطفة، بل إنهما ينسجمان معاً لتكوين قرار واحد، بل أحياناً يجبرنا الموقف أن نتخذ قراراً عاطفياً وليس عقلانياً، وهذا ما هو مطلوب في التعامل مع قضايا الأسرة، المتعلقة بحقوق الأطفال، وكذلك قضايا الأحداث، فلا يصلح معهم الشدة دائماً، بل استخدام العواطف أجدى وأكثر نفعاً.
وقد ورد في سيرة رسولنا الكريم عن أم سلمة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشرٌ، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمعُ، فمن قضيت له بحقِّ أخيه فإنما أقطعُ لهُ قطعة من النارِ» متفق عليه، ومع هذا البيان فدور رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرد الحديث يقوم بمقام القاضي ويحكم بما يختصمون..
فبقول رسول الله (إنما أنا بشر) فهو لم يحدد الجنس، ليأتي بعده ببيان أن من كان ألحن بحجته عن الآخر قد يميل الرسول بحكمه إليه، وهنا نبين أن العاطفة من أطباع البشر، وإن إصدار الحكم بين الناس معرض لأن تسوقه العواطف، وهذا رسولنا الكريم الذي لا ينطق عن الهوى، فكيف نتهم المرأة بأنها تحكم بعاطفتها وأن هذا الأمر يتنافى مع مهنة القاضي ورسولنا الكريم يثبت أن العاطفة قد تقوده إلى إصدار حكم لكونه بشراً، فلا تعيبوا العاطفة فهي رشد في معظم الأحيان.
وبما أن الجميع يقدس دور المرأة في المجتمع كـ «أم» إذن عليه أن يقدر عملها في جميع الصعد، فمهما كان الإنسان ناجحاً وعالماً وحاكماً فلأمه دور في تنشئته، وهي من أوجدت بداخله هذا الإنجاز؛ فعلينا أن نحترم المرأة كونها أماً وكونها وزيرة وقاضية وفي أي موقع تكون، فعاطفتها التي تعيبها كما يظن البعض..
إضافة لقرارات العقل، وحزمها وحسن إدارتها للمواقف نقطة إيجابية تحسب لها لا عليها، بل إن العاطفة يجب أن تتخلل جميع مناحي حياتنا، بقَول رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْبِرُّ مَا سَكَنَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا لَمْ تَسْكُنْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ)، وبهذا البيان يبين رسولنا الكريم أن للقلب باعتباره مسؤولاً عن العاطفة دوراً في قراراتنا، فلا يجب أن نستخف بهذا المكوّن ونجعله معيقاً لنا.
الله تعالى خلق الذكر باعتبار أنه العقلاني، وخلق الأنثى باعتبار أنها العاطفية، وبهما تكمل البشرية، عقل وعاطفة، ولا يمكننا الفصل بينهما، فوجود عاطفة المرأة جنباً لجنب مع عقلانية الرجل أمر مطلوب وحتمي لكي نصدر قرارات تناسب الجميع، وما الحياة إلا مزيج من اللين والشدة، وأجمل صور لذلك ما تقوم به الأم في بيتها، فلا تعيبوا المرأة على عاطفتها فهذه العاطفة منظور آخر للمواقف علينا الأخذ به واحترامه.