كلما كانت الأفكار كبيرة كلما كانت معارضتها أكبر من قطيع الصغار، وكلما كانت جريئة في مخالفتها للمألوف كلما تعالت ضدها أصوات من لا زالوا يعيشون في جلباب الماضي البالي فضلاً عن أن يفكروا بالاستعداد للمستقبل، ومهما حاولت بالشرح وتبيان المزايا سيجتهدون ما استطاعوا لجرّك لمعارك صغيرة تافهة بحجم تفاهاتهم، كما تقول الحكمة الصينية: «أنا أُشير للقمر وهو ينظر إلى إصبع».
في حدث استثنائي وزيارة ملفتة للنظر للملك سلمان بن عبد العزيز لأرض الكنانة أتت البشارات بالعديد من الاتفاقيات الثنائية التي من المتوقع أن تضخ مزيداً من الحياة في أوصال الاقتصاد المصري وأن ترسخ العلاقات بين البلدين الكبيرين، وكانت ياقوتة التاج كما يقال إعلان إنشاء جسر الملك سلمان ليربط بين مصر والسعودية من مدينة شرم الشيخ بسيناء وينتهي في رأس حميد بمنطقة تبوك السعودية بطول إجمالي يصل إلى 50 كم ومدة تنفيذ تبلغ 3-4 سنوات وبتكلفة تقارب المليارات الأربع من الدولارات على أن يشمل خطاً للسكك الحديدية مع إمكانية أن يشمل نفقين أسفل خليج العقبة.
هذا المشروع الاستثنائي يحاول المصطادون في المياه العكرة والمتكسبون على أعتاب الوطنية الزائفة أن يطفئوا توهج منافعه لمصر تحديداً من خلال التباكي على اعتراف الحكومة المصرية بتبعية جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وهو الأمر الذي تؤكده الوثائق الرسمية رغم أراجيف من يحاول الظهور وكأنه حامي الحمى دون أن يُتعب نفسه لقراءة تلك الوثائق، وكم تمنينا أن نرى حفاوتهم لما سيجلبه ذلك المشروع من خير كبير لبلدٍ مزقته النكبات وأنهكت اقتصاده سنين من الفساد ومؤامرات أصحاب العقول الضحلة.
إن الدراسات الأولية تقدّر عائدات المشروع السنوية بقرابة 200 مليار دولار، فالجسر سيكون أشبه بطريق الحرير العربي ليصل لأول مرة بين المشرق العربي وأفريقيا العربية منذ الفصل بينهما إثر قيام إسرائيل كعازل دخيل، ومن المتوقع أن يكون الجسر بوابة لتصدير منتجات السوق المصرية من قطن ومنسوجات ومواد غذائية ومواد بناء للأسواق السعودية وأسواق الخليج عالية الاستهلاك، كما سيكون الجسر وفقاً للمخطط له منفذاً لنفط السعودية بتمديد خطوط رئيسية يتم ربطها بخط سوميد وصولاً إلى ميناء سيدي كرير بالإسكندرية تمهيداً لشحنه لأوروبا والولايات المتحدة الأميركية وهو ما يحقق لمصر عائداً قوامه 2 مليار دولار سنوياً من تصدير النفط السعودي لوحده والذي قد يتبعه نفط بقية دول الخليج التي تعاني من عبثية إيران وعدوانيتها في مضيق هرمز ما يفاقم قيم التأمين على ناقلات النفط ويربك مواعيد التسليم.

الناتج المحلي الإجمالي لمصر يبلغ 307 مليارات دولار بمعدل نمو جيد في ظل أزمة عالمية يبلغ 4.5% لكن التحديات كثيرة وأهمها وجود 26% من السكان البالغ عددهم 93 مليوناً تحت خط الفقر ووصل التضخم إلى 10.9% ويبلغ الدين الخارجي 46 مليار دولار ويمثل الدين العام 88% من الناتج، الأمر الذي يجعل مثل هذا المشروع انفراجة كبيرة للاقتصاد المصري وتعزيز التجارة البينية وإيجاد أسواق أكبر مع ميزة تنافسية متعلقة بالزمن بالإضافة لتوظيف عشرات الآلاف من العاطلين وتحسين أوضاع سيناء وسكانها البالغ عددهم 400 ألف نسمة بالمشاريع والأنشطة التي سترافق هذا المشروع ما يعزز الأمن في هذه المنطقة التي كانت صداعاً مزمناً للحكومة المصرية.
منافع هذا الجسر لن تقتصر على السعودية ومصر بل ستتعداها لبقية الدول العربية من الفجيرة حتى طنجة في مراحله اللاحقة، ويأتي هذا المعبر الحيوي كطوق نجاة لعدد من الدول العربية التي تقبل على كارثة اقتصادية لا تحتمل، فبحسب تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا ESCWA فإن مجموع الاحتياجات التمويلية لثماني دول عربية هي الأردن وتونس ومصر وسوريا ولبنان والمغرب واليمن للفترة من 2015 حتى 2030 سيبلغ 3.6 تريليونات دولار ما يحتم على هذه الدول تعزيز صادراتها بصورة كبيرة وهو أمر غير متيسّر حالياً، إذ لا تزيد التجارة البينية بين الدول العربية عن 8% من تجارتها مع العالم الخارجي، الأمر الذي يجعل هذا الجسر أشبه بطريق الحرير الأسطوري الذي بإمكانه أن يعزز التصدير والاستيراد بين الدول العربية بطريقة غير مسبوقة شريطة تطوير الاتفاقيات التجارية والجمركية.
وحيث إن مصر ستكون هي واسطة الممر فإن كل المعطيات تؤهلها لأن تكون هي «الصين» العربية، حيث الاستقرار السياسي ووفرة الأيدي العاملة وانخفاض تكلفتها ووفرة المواد الخام وتنوع الصادرات المحلية والتوسط بين أسواق الدول العربية والقرب من أسواق أوروبا مزايا لا تتوفر إلا لأرض الكنانة لتصبح أرض أحلام جديدة للمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال.
للجسر الحيوي هذا إغرائه الخاص المتوقع على القوى الأخرى القريبة من الحيز العربي، ففي اقتصاد عالمي على أعتاب الكساد ونسب بطالة تتزايد بوتيرة عالية عالمياً تبدو أي فرصة للدخول لأسواق جديدة أمراً لا يمكن التردد في قبوله وتحقيق مكاسب زمنية في وصول السلع والمنتجات ميزة تنافسية لا تقدر بثمن، لذا لن يكون مستغرباً أن نرى تركيا أكثر ميلاً للجانب العربي ولن أستبعد شخصياً أن تجد إيران متنفساً لإنتاجها من خلال الأسواق التي يختصر الجسر الزمن والمسافة إليها ما سيجعلها أكثر رضوخاً للتعايش السلمي مع جيرانها العرب، كما لن تكون أوروباً أقل حماساً للمشروع لما يحمله من تطوير لدول شمال أفريقيا وتحسين ظروف اقتصاداتها وترسيخ الأمن الداخلي وتقليل الهجرات لها وما تحمله من إشكاليات أمنية كثيرة.
المشروع نقلة كبيرة لعموم العرب وليس لمصر والسعودية فقط، والمهم أن يعمل الجميع لإنجاحه وأن يتم إسكات الأصوات النشاز التي لا تريد لهذه الأمّة أن تقوم والتي لا نجد لها حضوراً إلا للمشاغبة ونشر تفاهاتها الغارقة في نظرية المؤامرة، فكفى هذه الأمة تأخراً عن الجميع، وكفى شعوبها فقراً وتشرداً، ولنقف مع كل ما من شأنه أن يرينا مستقبلاً أجمل، ولندع أولئك الذين لا يرون إلا الإصبع رغم أنه يشير للقمر!