لم تصوت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح تقسيم فلسطين عام 1947، لأنه كان الخيار الأفضل سياسياً أو الأنسب أخلاقياً أو الأعدل قانونياً للتسوية بين الفلسطينيين العرب والصهاينة، ولكن لأن الولايات المتحدة بالذات مارست أقسى الضغوط لتمريره. أقل الخلق دراية بالقانون الدولي وبالضوابط الإجرائية اللازمة لصدور قرار بهذه الخطورة، كان يعلم بلامشروعية هذه الخطوة من الزاوية الحقوقية البحتة؛ ناهيك عن مجافاتها للحقائق التاريخية والديموغرافية المعلومة وقتذاك عن المسرح الفلسطيني.

لقد تعرض كثير من المختصين العدول إلى حيثيات هذا القرار وملابساته، وأكدوا أن العالم بصدد خيار سيؤجج الصراع المستعر في فلسطين ومحيطها الإقليمي، فيما المطلوب هو العكس.. ومع ذلك مضت واشنطن قدماً في إسنادها له. وحين بدت سوءات التقسيم جلية للناظرين، ولاسيما عقب احتدام القتال الدامي في طول فلسطين وعرضها وصولاً إلى حرب 1948/1949، راحت بعض المؤسسات الأميركية وعلى رأسها وزارة الخارجية تتلمس سبل التراجع عنه، لكن الخرق كان قد اتسع على الراتق، وكانت فلسطين و«الشرق الأوسط» برمته قد حشرا في نفق من النار والدم.

منذ يوم التقسيم المشؤوم وحتى ساعتنا هذه، مرت عشرات الفرص التي كان بوسع المجتمع الدولي انتهازها لوقف هذا النزيف. غير أن صناع القرار الأميركيين المأخوذين بالرؤى والدعاوى الصهيونية كانوا لها بالمرصاد. وفي تقديرنا أن الفرصة الراهنة التي تنطوي عليها محاولات استصدار قرارات من مجلس الأمن لتطبيق حل الدولتين ووقف الاستيطان بشكل جذري، لن تواجه مصيراً مختلفاً.

سوابق المواقف الأميركية بهذا الشأن لا تدعو للتفاؤل.. ومنها إسقاط مشروع قرار إقامة الدولة الفلسطينية الذي عرض بالفعل على مجلس الأمن أواخر العام 2014.

حدث ذلك رغم أن المشروع تعرض، قبل طرحه رسمياً، لكثير من المباحثات والمناظرات الداخلية الفلسطينية والعربية الأقليمية والدولية، حتى قيل أنه جاء يوم التصويت وقد راعى مختلف المحاذير التي يخشاها كل المعنيين، بما فيهم واشنطن وتل أبيب ذاتيهما.

بل وذهب البعض إلى أنكى من ذلك، وهو أن معظم القوى الفلسطينية بمستوييها السياسي والمدني لم تر فيه غاية المراد، ومع ذلك، أعادت واشنطن مواقفها التقليدية المتربصة بالحقوق الوطنية الفلسطينية.. وفي سياق هذه الخصومة المستحكمة، عميت أبصار صانع القرار الأميركي عن تفضيلات وردود أفعال الأصدقاء العرب وبعض الحلفاء الأوروبيين. لقد بدا وكأن إرضاء إسرائيل مقدم على تفضيلات الخلق أجمعين، وهو أمر يعلو على سوية القانون الدولي وربما يفوق بعض حسابات المصالح الأميركية.

من منظور واقعي، نكاد نجزم بأن قطع الطريق على استقلال الفلسطينيين ودولتهم، سيمنح قوى الكراهية والتطرف والبغضاء، على جانبي الصراع في فلسطين ورحابها الإقليمية أكثر من قبلة للحياة والانتشاء. فالصهاينة سيقولون إنه طالما كان الظهير الأميركي جاهزاً لاسنادهم، كما كان أمره معهم منذ يوم التقسيم، فلا شيء يجبرهم على ما لا يريدون.

وهذا سيزيدهم طغياناً وعصياناً للقانون والتنظيم الدوليين. وفي الوقت ذاته، سيؤكد فلسطينيون وعرب كثيرون بأن عالم القانون والنظام والأخلاق لم ولن ينصفهم، وربما أصبح بعض هؤلاء فرائس سهلة المنال للتنظيمات والأطر الموصوفة بالمروق والتمرد وممارسة الإرهاب. وفي سياق كهذا، سوف تشحب تأثيرات خطابات الاعتدال والوسطية. وقد تضطر القوى الداعية إلى الكلمة السواء على الانسحاب والانزواء، فيما يخلو المشهد للمتشددين بكل المعاني، الذين يعودون بالصراع إلى نقطة الصفر..

غداة صدور قرار التقسيم، ثبتت صحة توقعات العقلاء؛ الذين رأوا أن القرار يرش ملحاً على جرح، ولن يؤدي إلى استتباب السلم والأمن في فلسطين وجوارها. واليوم لا نجد حرجاً في الاعتقاد بأن إحباط الآمال في تقعيد الدولة الفلسطينية وقطع دابر الاستيطان، سيمضي بالصراع إلى ما دون هذه النتيجة.. ندفع بذلك وفي الخاطر أن البيئة الإقليمية باتت أكثر جهوزية لاستقبال المحبطين وتلقفهم وحشدهم في غياهب أنفاق مظلمة، لا يدري أحد كيف السبيل إلى الفكاك من إسارها.