لترى اللوحة بوضوح لا تلصق عينيك بها، ابتعد قليلا، قف في الوسط كي لا تبتعد عن تفاصيلها فتختفي او تختلط عليك الوانها فلا تعود تميز بين الاحمر والاخضر وبين الاصفر والازرق. ولتكون اللوحة جميلة لا بد من ان تكون الطبيعة جميلة والحياة أجمل. لكن ليس كل ما يُرى بالعين حقيقة بل واقع ربما يكون تزييفا للحقيقة. فالابتسامة لا تعبر عما في داخلنا اذ اننا قد نكون مرغمين على رسمها مجاملة لمن حولنا او تخفيفا عنهم. الابتسامة الحقيقية هي النابعة من القلب، وما لا تراه العين يراه القلب.
اللوحة التي اراها الآن ابتعدت عنها ستاً وعشرين سنة بالتمام والحنان. هي الكويت التي أزورها بعد فراق اجباري طويل. فلم ارحل منها بخاطري ولا هي ودعتني مبتسمة، بل كانت محتلة تنزف دماً وانا أنزف الماً.
ذات 1990 صحونا فلم نجد الكويت، كان الذئب قد التهمها في ليلة ليس فيها ضوء اخوة ولا وخز ضمير او احساس برابط الدم. لم اطق رؤية دبابات الغزو في الشوارع ولا الجنود المعفرة وجوههم بغبار حرب دامت ثماني سنوات استنزفت خلالها آلاف الارواح ومليارات الدولارات كلها ضاعت سدى من اجل جنون العظمة وعقلية القائد المغرور الذي لا يشق له غبار.
فغطى ذلك الغبار كل المنطقة وجاء بعواصف من كل الجهات فاقتلعت ما اقتلعت وقتلت من قتلت وكانت بداية الزلزال الذي لم تزل تردداته تهز المنطقة العربية من اقصاها الى اقصاها ومن شمالها الى يمينها ومن مساجدها وجوامعها الى قدسها واقصاها.
لم احتمل حينها رؤية الورد الذي كان يزهر في شوارع الكويت يذبل ويقتل تحت جنازير الدبابات، ولا ان توقفني حواجز تفتيش في الشوارع التي عشت فيها خمس عشرة سنة دون ان يسألني شرطي عن هويتي او «يأمرني» ان افتح صندوق سيارتي للتفتيش. اسبوع واحد، لا أكثر احتملت، سبعة ايام لكأنها سبعمائة سنة.
حزمت حقائبي والعاب اطفالي الاربعة الذين ولدوا كلهم في الكويت وغادرت. لكنها لم تغادرني، الكويت بلاد العرب، اطفائي الحرائق العربية ووسيط المصالحات بين الدول والاطراف العربية وبين الاخوة الاعداء، من فتنة سبتمبر ايلول 1970 بين الفلسطينيين والاردنيين، وبين الاخوة اللبنانيين بعد الحرب الاهلية 1976 التي بدأت بباص عين الرمانة والقلوب المليانة.
ها انا في الكويت زائر التقي زملاء لم ارهم منذ ست وعشرين سنة لكأنها رمشة زمن، لكأننا كنا بالأمس معا في «الانباء» التي ولدت فيها صحافيا وفي القبس وفي النهار والسياسة والجريدة، ها انا في الشويخ اوقع كتابي الثاني كلام طري بين نخبة من الزملاء الصحافيين والشعراء والمثقفين واقول لهم: في هذه اللحظة، هنا في الكويت، اعود 26 سنة الى الوراء. كانت كلها أمامي، كان العمر والعمل والحياة الصحفية. هنا في العام 1976 بدأت مدرسا للغة الانجليزية ثم مترجما ومحررا وصحافيا وكاتبا. في تلك السنة كان عمر مدينة الرقة سنة وكان عمر حياتي في الكويت ايضا سنة.
ثم تركت التدريس وتفرغت للعمل الصحفي في جريدة الانباء وكانت ايضا في سنتها الاولى وفيها كانت اولى خطواتي في بلاط صاحبة الجلالة واول علاقتي بالحرف والحبر وهدير المطبعة ونهر المهنة الذي لا يجف. جئت الكويت ازورها بفرح الابن الذي يلقي رأسه على صدر امه، فالإنسان مجموعة امكنة والامكنة يبقى مكتوباً على جدرانها سيرة حياة ومشاهد بالأبيض والأسود وبالألوان.
حياتي مجموعة امكنة وصحافة عربية واحدة. غادرت الكويت صحافياً وكاتباً وها انا أزورها شاعراً وكاتباً وصحافياً. ففي العمر تغير الأولويات مكانها وتبقى الأمكنة الحنونة، كما الكويت مكانها القلب.