00
إكسبو 2020 دبي اليوم

مصر شأن استراتيجي للخليج

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يتبدل الأمر كثيراً يوم كانت مصر ملكية في عهد فؤاد ثم فاروق، ويوم تحولت إلى ثورية جمهورية، ثم اشتراكية، ولاحقاً ساداتية كامب ديفيديه..

وكذلك في عهدي حسني مبارك، ومحمد مرسي الإخوانية. السعودية، ومجموعة دول الخليج العربية، تعتبر مصر عموداً أساسياً في حساباتها الاستراتيجية، وعندما اضطربت العلاقة مرة واحدة، لنحو خمس سنوات في الستينات، اضطربت المنطقة كلها، وعادت فور حرب 1967 إلى مسارها التاريخي، فاستقرار المنطقة يقوم عليهما.

وهذا يفسر الضجيج الهائل الذي أحدثته المعارضة المصرية، في الخارج تحديدا، والقوى المتحالفة معها، قبيل وخلال زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز لمصر. فالمعارضة كانت تريد إحراج الرئيس عبدالفتاح السيسي، والحكومة المصرية، لأنها تعرف سلفا أنها لا تستطيع منع الزيارة، التي اتضح لاحقاً أنها اهم زيارة في طبيعتها، منذ زيارة الملك فيصل إلى جمال عبدالناصر التي صححت ورسخت العلاقة، في عام 1969 والتي نراها اليوم.

المعارضة بالغت في رواياتها عن الخلافات السعودية المصرية إقليميا، واعتمدتها للتشكيك في إمكانية نجاح الزيارة، إلا أن المفاجأة أن الاتفاقيات ونوعيتها بين البلدين التي وقعت اكبر من كل توقعناه، ولم يسبق لها مثيل. جاءت مفاجأة حتى للذين يعرفون عن حميمية العلاقة بين الملك والرئيس. ومعظمها مشاريع استراتيجية، ابرزها الإعلان عن بناء جسر يربط بين البلدين، والقارتين، آسيا وإفريقيا.

جسر الملك سلمان الذي أعلن عنه لا يقل أهمية عن جسر السلطان محمد الفاتح، أي جسر البوسفور التركي الذي يربط بين آسيا وأوروبا، وسيصبح بعد بنائه الممر الأول جغرافيا بين البلدين. شملت الاتفاقيات، الربط الكهربائي، والإعلان عن اعادة الجزيرتين تيران والصنافير إلى السعودية، وخمسة عشر اتفاقية مهمة اخرى ستعمق العلاقة بين ضفتي البحر الأحمر.

عند المعارضة المصرية، وكذلك خصوم الخليج، والسعودية بشكل خاص، نظرة قصيرة المدى، هدفها تخريب العلاقة لخدمة مصالحها الآنية، لكن بالنسبة للقاهرة والرياض منذ عام 1936 العلاقة بين البلدين شأن استراتيجي. لا يسمحان لميزان العلاقة أن يهتز بسبب اختلاف حول مواقف ثنائية فرعية، أو وجهات نظر بشأن احداث إقليمية، أو مقالات صحافية.

السياسيون المحنكون يفرقون بين الاستراتيجي والفرعي، بين الأهداف العليا والمبادرات التكتيكية، بين الخلافات والاختلافات، ويتركون في حساباتهم مساحة للحركة، والتنوع، وحتى للاختلاف.

ألا توجد مشكلة في العلاقة السعودية، الخليجية، مع مصر؟

المفارقة أن معظم الشكاوى بين الجانبين، التي دأبنا على سماعها، تتمحور حول ضعف تنفيذ التعاون المتفق عليه.

أي أن الجانبين يطمحان لتعاون اكبر لكن آلية العمل غالبا ما تواجه معوقات ليست سياسية البتة. الخليجيون يريدون زيادة نشاطهم الاستثماري والاقتصادي في مصر، والمصريون يطالبون بالشيء نفسه، والذي يفشل الأعمال المشتركة سواء على مستوى القطاع الحكومي أو الخاص هي البيروقراطية القديمة، عدوهم الأول، اكثر من أي عدو آخر متربص.

هناك طموحات كبيرة جدا، لكن بكل أسف قزمتها الأنظمة التي لا تواكب العالم الجديد، وكذلك حراس البيروقراطية الذين يفوتون فرص الانتقال التنموية الهائلة المُحتملة.

بالنسبة لدول الخليج فإنها باستثماراتها المالية الكبيرة، وشراكاتها التجارية الدولية مع الشركاء المصريين والسوق الأضخم في المنطقة، تستطيع تحويل مشاكل مصر التنموية إلى مزايا، تحول التضخم السكاني مثالاً إلى قوة لمصر والمنطقة، تجعلها في مقدمة نمور العالم. الفائض المالي مع الفائض البشري يتطلبان قرارات سياسية شجاعة لتجاوز السرعة البطيئة.

المصريون والخليجيون والعرب جميعهم، يريدون الخروج من أزمة الفشل المزمن، والحق يقال ان الاتفاقيات الطموحة التي وقعها الملك سلمان والرئيس السيسي تعبر عن آمال شعوب المنطقة بمستقبل أفضل مما نحن فيه. الشعوب تريد حكومات تتفرغ للبناء والتطور، وتلبية حاجاتها، وليس إلى مواقف سياسية وبيانات مكررة. هذه المشاريع الموعودة تمثل اكبر برنامج عمل بين بلدين في المنطقة لهذا كانت أخبارها سعيدة إلا للمعارضة.

كل هم الناشطين، في المعارضة، إفشال أي تعاون، من اجل البرهنة على فشل الحكومة، ومحاصرتها في زاوية ضيقة. في حين أن معظم القضايا التي بحثت في زيارة العاهل السعودي إلى مصر مسائل تنموية تهم حاضر ومستقبل مائة مليون مصري وسعودي، حياتهم ومن اجل مستقبل أطفالهم بعيدا عن العبث السياسي.

مصر دولة كبيرة الإمكانيات تستحق اهتمام الجميع لأنه بوقوفها تقف المنطقة كدولة إقليمية كبرى. وعندما نرى الحكومة الأميركية تستبشر خيراً من انفتاح ايران، وتعتبرها دولة واعدة، وهي في واقع الأمر عند مقارنتها بمصر نظام متخلف كثيراً، فإننا رداً على المشروع الدولي لإنجاح ايران يجب أن نراهن على مصر في المقابل، وهذا ما يفعله السعوديون والإماراتيون والبقية التي تؤمن بالمشروع التنموي لا العسكري فقط.

 

طباعة Email