عقوبة الحبس جاءت لحرمان المجرم من حقه المتمثل بالحرية، وذلك كإجراء أو عقوبة على فعلته المجرّمة، فهل أصبحت في زماننا هذا داء أم دواء؟
في عصرنا الحديث طالبت العديد من اللجان الحقوقية والعقابية بوجوب إيجاد حلول بديلة عن هذه العقوبة، إذ تبين الدراسات في عدة دول من العالم بأن نسبة العودة إلى السجون تقريباً (20% إلى 30%) من عدد السجناء المفرج عنهم، وفي بريطانيا تصل النسبة إلى 50%، وهذا رقم ليس ببعيد مقارنة بواقع الأمر ذاته في دولنا العربية وربما تفوقه في بعض الأحيان.
إن الهدف من العقوبة السالبة للحرية (الحبس)؛ إصلاح المحكوم عليه، والعمل على إعادته إلى المجتمع كعضو صالح، لكن الواقع مخالف تماماً لما هو منصوص عليه في هذه النظريات، وبما أن النظريات والتعليمات والقرارات وحتى التشريعات أصبحت لا تفي بأغراضها التي وجدت من أجلها، لذا لزم الأمر إعادة النظر فيها، وتغييرها إن لزم الأمر، وإلغاءها إن كان هذا هو الحل المناسب.
لا يمكننا وصف أي شخص سوي وصالح من أبناء المجتمع ارتكب جرماً بسيطاً، أو ما يعرف بتلك الجرائم التي يعكس سلوكها خطورة جزائية ضئيلة بـ(المجرم)، كمرتكب الجريمة بالمصادفة مثلاً، أو المذنب المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية قصيرة المدة (كموظف أو كرجل أعمال يقضي عليه بعقوبة الحبس لمدة شهر مثلاً لواقعة إصابة خطأ)..
ويودع السجن بين معتادي الإجرام ومحترفيه، فتفسد شخصيته بعد أن كانت في أغلبها صحيحة، وبخلاف المشاكل المجتمعية التي قد يتعرض لها هؤلاء المذنبون من نبذ المجتمع لهم ووصفهم بـ(خريجي سجون)، وصورتهم ومكانتهم أمام عائلاتهم وأصدقائهم في زمن كثرت فيه (الشماتة)، أو تذبذب وضعهم واستقرارهم في بيئة العمل.
والأمر لا يقتصر فقط على مرتكبي الجرائم البسيطة فقط، بل أيضاً على الأبرياء (المتهمين)، فمن الثابت لنا جميعاً أن الأصل في المتهم أنه بريء حتى تثبت إدانته، ومع هذا فقد أجاز المشرع المساس بحرية الفرد قبل أن تثبت إدانته بحكم نهائي..
وذلك بتقييدها بالحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق لمدد متفاوتة قد تتعدى السنوات، وبذلك سيتغيب هذا الشخص عن بيته وأسرته وعن عمله، ومن الممكن أن يأخذ حكماً بالبراءة بعد هذا كله، فمن سيعيد له حقوقه المسلوبة، مع أن الجميع متفق على أن المتهم بريء إلا أن القانون نفسه أجاز تجريمه وهو ما ضمن له حق براءته.
وهنا نتساءل هل هدف المشرع من العقوبة السالبة للحرية حبس حرية الإنسان أم إبعاده عن المجتمع أم إصلاحه؟ إذ إن من الواضح تماماً أن عقوبة الحبس وخصوصاً العقوبات القصيرة تسبب مشكلات وخيمة على المجتمع، ولم تحقق أصل وجودها، ونحن الآن في القرن الـ21، قرن الابتكارات والتطورات، ونعيش في مدن ذكية، لذا وجب علينا أيضاً أن تمضي مؤسساتنا القانونية والعقابية أيضاً بهذا التطور وهذا الذكاء..
وإيجاد طرق عقابية بديلة عن تلك التقليدية، والطرق موجودة ومطبقة في عدة دول وقد لاقت نجاحاً في دورها لعلاج المجتمع من الجريمة، بل قللت أيضاً من التكاليف المالية التي تصرف على السجناء ذوي الأحكام البسيطة مع غياب الفائدة منها.
ذكرنا سابقاً بعض من الأساليب العقابية الحديثة عندما كتبنا مقالاً بعنوان «الحبس الاحتياطي الذكي»، ووضحنا فيه وجوب اتخاذ إجراءات ذكية بحق المحبوسين على ذمة التحقيق، لكن اليوم نعرض لكم طرقاً عدة لكيفية علاج الآثار الناجمة عن طرق الحبس التقليدية، ولأننا في دولة تسعى لأن تكون السعادة إحدى مفرداتها المهمة يجب علينا أن نجتث المشاكل من جذورها لتعم السعادة حياتنا.
على مؤسساتنا القانونية والعقابية أن تنتهج مناهج العقاب الحديثة، ومن الأمثلة عليها (السوار الإلكتروني)، والذي يُمكن المحكمة من إصدار حكم بالسجن في البيت مثلاً أو الحي أو ربما داخل المدينة أو في أماكن متفرقة مثلاً العمل والبيت، وبهذه الطريقة قيدنا الحريات ليتم العقاب..
ويمارس الإنسان حياته الطبيعية والاجتماعية، وأيضاً طريقة (الحبس نهاية الأسبوع) كإحدى الطرق البديلة، والتي تتمثل بممارسة الإنسان حياته الطبيعية والعملية طوال أيام الأسبوع، ويحرم من عطلة نهاية الأسبوع ليقضيها داخل السجن كفترة عقوبة. أيضاً هناك أسلوب متبع في عدة دول وهو (تقسيط العقوبة)..
والبعض سيستغرب من هذا المسمى ولو أن جميع مناحي حياتنا اليوم يسوقها نظام التقسيط، فلم لا نستخدمه في العقوبات، وتتمثل الطريقة بحبس المذنب أسبوعاً أو شهراً مثلاً ويخرج بعدها فترة من الزمن وهكذا وبما لا يؤثر في وظيفته وعمله، وبدل أن يقضي إجازته في السفر يقضيها تنفيذاً للعقوبة الصادرة بحقة، وبذلك سيكون الوضع محفزاً، لأن ينعدل السلوك المجرم من جراء مقارنة مميزات الحرية بسلبها..
والمقارنة بين مكاسب احترام القانون وخسائر اختراقه، ولا شك في أن أسلوب (الخدمة المجتمعية) أحد الأساليب التي لاقت نجاحاً كبيراً في العديد من الدول، إذ نستفيد بتطبيقها من طاقات هذا الشخص المذنب ليرد ثمن خطئه للمجتمع، وأيضاً بتربية نفسه، وخصوصاً عندما نوجد ربطاً بين نوع الجريمة ونوع الخدمة المجتمعية.
لا شك في أن حديثنا اليوم يتمثل في الجرائم البسيطة، وليست تلك الجرائم البشعة، فالمجرم بطبيعته لا يستحق منا الرأفة، لكن من كانت نفوسهم خيّرة، وقادتهم بعض تصرفاتهم لارتكاب جرائم بسيطة علينا أن نهذبهم لا أن نعاقبهم، وهذا منهج الله تعالى ومنهج رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فلتجتمع رأفتنا بعلومنا وتطورنا ونوجد أساليب حديثة للعقاب، بدلاً من أن نتعرض لمشاكل أكبر من جراء تطبيق الوسائل التقليدية.