إن تقدم أمة من الأمم، يأتي عبر معرفة ماهيتها، وكيف تود أن تكون، أو ما يمكن أن نطلق عليه مشروعها الثقافي، وهو المعبر عن رؤيتها، وعلى قدر وضوح الرؤية، على قدر سرعة الإنجاز..

وستظل الهوية هي الإطار الجامع والحصن الحامي من كل الزلات، والدفاع عنها هو دفاع عن الوجود ذاته، وبخاصة في عصر تذوب فيه الثقافات، حتى صار الكل في واحد، نفس الملبس، نفس الطعام، نفس الأذواق، نفس الفنون، كل ذلك بفعل العولمة التي انعدمت معها الحدود، وأزيلت الحواجز بفعل الثقافة الأكثر حضوراً، والوسيلة الأكثر وصولاً إلى الناس، والأعلى صوتاً والأكثر نفيراً.

من هنا، جاءت أهمية المؤتمر الذي أقامته الجامعة القاسمية بعنوان «هويتنا في ذاكرة تاريخنا وتراثنا»، وأهميته تعود إلى أنه يعد من قضايا الأمن الفكري، وبخاصة لدى الأجيال الجديدة، أصحاب الهويات متعددة الثقافات، أو متعدية الثقافات..

والتي قد تأتي عليهم اللحظة التي تخفت أمامهم وتتلاشى هويتهم الحقيقة، في ظل هذا الارتباك والضجيج والتلاحم، وإن شئت، الصراع بين الثقافات، عندئذ، يبدأ الفرد رحلة البحث عن الذات من جديد. والحديث عن الهوية يقترن دائماً بالإحساس بالخطر عليها، وأنها بالفعل تتعرض إلى التهديدات والنيل.

وفي تقديري أن من أهم أداوت الدفاع عن الهوية، هو ارتياد مجالات الحياة بقوة من إنتاج فكري، وبحث علمي وتطور تكنولوجي، أن نكون منتجين للمعرفة، لا مستهلكين فحسب، أن يرى العالم ما لدينا، ونحن قادرون على ذلك، أن ينشأ الجيل الجديد وهو يعرف أن لغته العربية لن تكون حائلاً بينه وبين ارتياد أرفع المسؤوليات، بل بدون إتقانها تكون المشكلة أكبر.

وهنا، أتذكر ما قصه عليّ أحد الأصدقاء في رحلته إلى أحدى المدن الإسبانية، وتكلم مع شرطي بالفرنسية فلم يجبه، وهو يعلم أنه يجيدها، فلما كرر عليه القول، قال له رجل الشرطة، نحن أقرب إليكم من فرنسا، فلماذا تتحدثون الفرنسية لا الإسبانية؟، فقال لأننا نحتاج إلى تعلمها، أما الإسبانية فلا.

هذه الإجابة في تقديري، تلخص الحالة التي ينبغي أن نتعامل معها، إن العاطفة وحدها لن تحمي هويتنا، وبخاصة أن خط الدفاع الأول عنها، ليس أبناءنا فحسب، ولكن الساعين إلى معرفتها والبحث فيها وفهمها، لأن لدينا حاجة يسعى إليها، هنا سيكون أبناؤنا إضافة، وليس خصماً من رصيدنا الحضاري والمعرفي.

إن الهوية الواحدة، هي الضمان لكي نستطيع القول بوجود أمة أو شعب من الشعوب، أن يكون هناك سياج فكري جامع لهم، موجهاً لحركتهم، وهو ما يمكن أن نطلق عليه متانة النسيج الاجتماعي، التي تتأبى على كافة عمليات التفتيت، وتتعدى ذلك إلى أن يصبح لديها قوة جذب شديدة، يدور معها من يتلمسها. و«ابن خلدون» يخبرنا في مقدمته، أن الغالب دائماً يجد من يريد الالتحاق بركبه.

وقد يتقمصه. وكما تقول الباحثة «فاطمة الدراجيني»، نقلاً عن «إريك فروم»: «إن الإنسان بحاجة إلى الشعور بالامتياز والتمايز عن الغير، فإن فشل في تلبية هذا الشعور عن طريق نبوغه، يسعى لتحقيق هذا المأرب عن طريق التماثل مع غيره من الناس، وهكذا تتبلور شخصية كل إنسان على أساس الفرص والإمكانات التي يوفرها له المجتمع والثقافة».

من هنا، فإن الأمم تحرص على التمايز بما لديها، والتراث أحد أهم أشكال التمايز، ولا شك أن التراث لا يعني ما زهد فيه، ولكن يعني الامتدادات للشخصية الحالية، والمرجعية، والدافع، والأساس المكون والمؤثر في قسماتها، لذا، فإن الحفاظ عليه أمر حتمي لا هوادة فيه، وبخاصة في هذه الآونة، وفي ظل التحديات الثقافية والهجمة على الثقافات الوطنية، ما يتطلب دعماً إضافياً لها ومساندة مستمرة..

ولن يتم ذلك إلا بوجود حافز للاهتمام بهذا الإرث الحضاري والثقافي، وخاصة بين الشباب، فعند الشدائد يستدعى المشترك، وهو دائماً تاريخنا وتراثنا المعزز لهويتنا، لكي ندرك حقيقة وجودنا، والغاية من رحلة البناء والصعود.

حدثنا ذات يوم، صديق من المغرب العربي، يعيش في فرنسا منذ سنوات طويلة، أن شبح هتلر واقف أمام برج إيفل، يسعى لنقله إلى ألمانيا، وهو ما سعى إليه بالفعل خلال الحرب العالمية الثانية، ما زالت صورته شاخصة أمام أعين ونفوس الفرنسيين..

وبرج إيفل مكوِّن أساس من التراث الفرنسي، الذي جعل رئيس الوزراء يرفض أن يتم افتتاح أي من العلامات التجارية العالمية بجواره، أو النيل من مكانته، على الرغم من الإغراءات المالية الكبيرة التي قدمت له.

كما أنه من الأهمية بمكان، أن ندرك أن الحفاظ على الهوية لا يعني انغلاقاً على الذات، ولكن كما أكد «د. سلامة البلوي»، أن العرب انفتحوا على مدرسة الإسكندرية في القرن الأول الهجري، وترجموا العلوم الطبيعية، ولم يترجموا المؤلفات المتعلقة بالعقائد المصرية الوثنية..

وكذلك فعلوا حين انفتحوا على التراث الروماني في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين أخذوا نظام الدواوين، دون أن يأخذوا القانون الروماني، وأخذوا عن الفرس التراتيب الإدارية، دون أن يأخذوا عقائد المجوس وفلسفتها، كما أخذوا من الحضارة الهندية علم الفلك والرياضيات دون الديانات، وأخذوا من الإغريق العلوم الطبيعية والتجريبية، دون أن يأخذوا وثنية الإغريق

. إنه الأخذ الواعي والهضم المدروس وإعادة الإخراج بعد التشذيب والتهذيب والعرض على الثوابت، حتى لا تدخل الأمم في طور محو الهوية والإفلاس الحضاري.