يمنّي كهنة الصهيونية أنفسهم ويطمئنون قومهم، بالترويج لفكرة أن الفلسطينيين فشلوا على مدار مائة عام في دحر مشروعهم الاستيطاني في «أرض إسرائيل». وفي الوصف التفصيلي للصراع الممتد في فلسطين، ولاسيما جولات القتال المسلح منه، نعثر على مصطلحات حرص الصهاينة والإسرائيليون على نحتها وتثبيتها في الأدبيات ذات الصلة. هنا يتجلى تماماً أن لنا مصطلحاتنا ولهم مصطلحاتهم.
فحرب اغتصاب فلسطين عام 1948/1949 عندنا هي حرب استقلال إسرائيل عندهم. والعدوان الثلاثي عام 1956 عندنا هو عملية قادش عندهم. والعدوان التوسعي الذي أدى إلى نكسة 1967 عندنا هو حرب الأيام الستة عندهم. وحرب أكتوبر والعبور عام 1973 عندنا هي حرب يوم الغفران عندهم.
تبالغ المصطلحات الصهيونية في تصنع البراءة والطبائع الدفاعية؛ الخالية من دسم السياسات والمخططات العدوانية القحة.. ومن ذلك بلا حصر، تسمية الاعتداء الفج على مناطق السلطة الفلسطينية عام 2002؛ التي انتهت عام 2004 باغتيال ياسر عرفات، صانع السلام مع إسرائيل، بعملية السور الواقي، ووصف جولات تدمير قطاع غزة على رؤوس ساكنيه لثلاث مرات في غضون ستة أعوام (2008-2014) بعمليات الرصاص المصبوب وعامود السحاب والجرف الصامد. إن واحداً من هذه العناوين، لا يتسق أبداً مع المعاني الإجرامية الدموية التي تختفي وراءها.
يصل التزوير الصهيوني ولي الكلم عن معانيه، الذي تنطوي عليه هذه المعالجة المفهومية إلى ذروة عالية، عند وصف أداء المقاومة الفلسطينية بأعمال التخريب أو الإخلال بالأمن أو الإرهاب «.. التي فشلت في تحقيق أهدافها..». منذ باكورة الصراع، لم تفارق هذه الأوصاف مختلف الأدبيات الصهيونية المعنية بمقاربة المقاومة الفلسطينية. ولعشرات السنين تمكنت هذه الأدبيات؛ المعززة بآلات أيديولوجية إعلامية دعائية ودبلوماسية جبارة، من تشويه الصورة الذهنية للفلسطينيين في أنحاء كثيرة ولاسيما في عالم الغرب.
وإجمالاً، كان على الفلسطينيين بذل جهد استثنائي لإعادة صياغة صورة كفاحهم الوطني التحرري وتقعيدها على النحو الصحيح. وفيما يتعلق بالرأي العام الغربي تحديداً، يصح الاعتقاد اليوم بأنه قد تم لهم اختراق القلعة إلى حد ملموس، بحيث راحت تنصت لروايتهم قطاعات شعبية واسعة. بل ولنا أن نذهب، بشيء من المبالغة، إلى أن الفلسطينيين نجحوا في تسويق بعض مصطلحاتهم داخل القلعة الإسرائيلية الحصينة ذاتها. فليس بين الإسرائيليين راهناً من يتنكر، مثلاً، لمفهومي الانتفاضة الأولى والثانية، عند الاستطراد إلى تاريخ الاشتباك معهم خلال العقود الأخيرة الثلاث.
مع ذلك، يظل من الصحيح أن المصطلحات والتوصيفات الصهيونية المسمومة، كانت من الحرفية والحذق بحيث تغلغلت في شطر واسع من العقل العربي وشريحة رقيقة من العقل الفلسطيني.. إذ لا يخفى كيف أن بعض المقاربات العربية والفلسطينية لشؤون الصراع وشجونه تستأنس ببعض هذه المصطلحات. ويعد مفهوم «الخط الأخضر» الذي يميز بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عامي 1948 و1967 ضمن الأكثر شهرة في هذا الإطار. وفي الإطار ذاته، تتردد في مداخلات بعض كبار المعنيين العرب والفلسطينيين مسميات من قبيل «حرب الأيام الستة» و«السور الواقي» و «عرب إسرائيل»..، دون أن يعوا أنهم بذلك إنما يعتمدون صياغات صهيونية المصدر.

الاشتباك بين الصهاينة والمتصهينين داخل إسرائيل وخارجها وبين الفلسطينيين، يدور في أفلاك الروايات التاريخية والتراثية والمفاهيم والمصطلحات. وهذا ميدان لا يقل في ضراوته وتأثيراته بعيدة الغور شأناً عن القتال المسلح. وعند التأمل الموضوعي في أصداء هذا الاشتباك، نكاد نجزم بأنه ليس صحيحاً ما يدعيه الجانب الصهيوني حول هزيمته للفلسطينيين بشكل نهائي، لا في ميادين القتال المسلح ولا في مجال الروايات والتعبيرات والمصطلحات.
ندري تماماً أن المنتصرين عادة ما يفرضون رؤاهم ومفاهيمهم ومصطلحاتهم. ولأن هذا لم يحدث بالحيثية التي توخاها الصهاينة ومشروعهم، فإننا ندعوهم إلى التواضع وعدم خداع الذات. عليهم الاعتراف بأنهم واجهوا منذ وطأوا فلسطين وحتى ساعتنا هذه شعباً صلباً عصياً على الانكسار.. وأنه إذا جاز لهم الادعاء بأن هذا الشعب لم ينتصر عليهم، فإنه لا يحق لهم التبجح بأنه هزم أمامهم.