«عذراً أبا فيصل، إذا كنت لم أستطع أن أفيك حقك في هذه الكلمات القليلة، فقامتك أكبر من أن يحيط بها مقال، وقدرك في نفوس محبيك والناس جميعاً، بقدر محبتك لهم، وإنسانيتك التي لا تحدها حدود». بهذه الكلمات ختمت مقالي الذي كتبته في هذا المكان بتاريخ 4 نوفمبر عام 2013.
وقتها كان المغفور له بإذن الله تعالى، خلفان الرومي، عائداً من رحلة علاجه الأولى، التي استغرقت ما يقارب العام في الخارج، بعد أن أقام له المكتب الإعلامي لحكومة دبي حفل تكريم، حضره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وتشرفت بأن أكون أحد المدعوين إليه.
كان صعباً عليّ أن أرى خلفان الرومي، الذي عملت تحت قيادته، يوم أن كان وزيراً للإعلام والثقافة، سبع سنوات، أعتبرها من أكثر سنوات عمري ثراء وخبرة ونضجاً، بعد أن هاجمه المرض الخبيث، وكنت أخشى أن يكون قد نال من عزيمته، وهو الذي كان يفيض حيوية ونشاطاً وعزماً، لكنه أزال مخاوفي بالسكينة التي رأيتها على وجهه وقتها، وبكلمات الرضا والتفاؤل التي سمعتها منه، فأيقنت أن المرض لم يستطع أن يهزم أبا فيصل، وأنه مقبل على الحياة بعزيمة أكبر، ورغبة أعمق، تماماً، كما رأيته قبل سنوات عندما ذهبت لأعزيه في فلذة كبده فيصل، الذي قضى في حادث مؤسف، رغم ما لفقد الولد من ألم ومرارة، لا يعرفهما إلا من مر بمثل هذه التجربة الأليمة.
ربما لا يعرف الجيل الحالي، حجم الجهود التي بذلها المؤسسون قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وأثناء قيامها، وبعد قيامها، حتى أصبح لها كيانها ومكانها ومكانتها بين الدول والشعوب، وفي المحافل الدولية، لكن من عاصر مرحلة التأسيس، أو كان قريباً منها، يعلم جيداً أن تلك المهمة لم تكن سهلة، لأن تلك المرحلة كانت حاسمة ومصيرية، كي تظهر دولة الإمارات إلى الوجود، وكي تبقى وتستمر، وكي تنجح وتصل إلى ما وصلت إليه من مكانة، أصبح الجميع يشيدون بها، ويتمنون الوصول إليها.
وكان خلفان الرومي، رحمه الله، فارساً من فرسان تلك المرحلة، شهد له الجميع بالكفاءة والإخلاص والتفاني في العمل، ناهيك عن تعدد المهام التي أداها، وتنوع المجالات التي عمل بها، وتوزعها بين التربية والتعليم، والصحة، والعمل والشؤون الاجتماعية، انتهاء بوزارة الإعلام والثقافة، آخر الوزارات التي شغلها، لكنها لم تكن المحطة الأخيرة في حياته الزاخرة بالنشاط والعمل، فقد تواصل عطاؤه، وظل حضوره طاغياً، حتى بعد مرضه الذي ربما استطاع أن ينال قليلاً من صحته، لكنه لم يستطع أن ينال من عزيمته، ولا أن يضعف روحه التي كانت تفرض وجودها على الجميع، بكل ما كان يتحلى به من صفات نبيلة.
ربما كان المنصب العالي لدى كثير من الناس، تشريفاً لا يناله إلا ذوو الحظوة من البشر، وربما أدار هذا المنصب رأس صاحبه، وجعله يتعالى على من هم أدنى منه وظيفة، لكنه لدى خلفان الرومي، رحمه الله، كان شيئاً آخر، لا يعرفه إلا من تعامل معه عن قرب، وهو يتولى أكثر من وزارة، ولمس البعد الإنساني الذي كان يتحلى به، فقد كان لطيف المعشر، متواضعاً إلى الدرجة التي تخجل من أمامه وتشعره بالحرج، كما كان مثقفاً واسع الاطلاع عميق المعرفة، له في كل موقف رأي يستحق أن يُسمع ويُحترم، كريماً لا يبخل على أحد بالمشورة والرأي الذي دائماً ما يكون في محله.
وكان إذا احتدم النقاش بينه وبيننا حول أمر من أمور العمل، وكاد يصل إلى درجة الاختلاف، خفف من وتيرته، بعبارته التي كان يسمعها الجميع منه «احلم علي»، وكانت هذه العبارة تحرجنا، نحن العاملين تحت قيادته، لأننا الأحوج إلى حلمه الذي لم يتخل عنه يوماً، حتى تعلمنا منه الحلم.
كان خلفان الرومي، رحمه الله، أنموذجاً فريداً من الرجال الذين يجب أن تُكتب سيرهم وتُدرّس، لأنهم تساموا فوق المناصب التي تقلدوها، على علوّ مكانتها، ليقدموا نماذج من الإخلاص والتفاني، في كل المواقع التي عملوا فيها، ويصبحوا رموزاً خالدة في تاريخ الشعوب.
لم يُدِر المنصب رأسه، ولم يجعله يتعالى على من يعمل تحت قيادته، بل زاده تواضعاً وإنسانية وطيبة وحلماً.
لذلك، نتمنى على وزارة التربية والتعليم، أن تقدم هذه النماذج لأبنائنا، وأن تضمّنها مناهجها التعليمية في مختلف المراحل الدراسية، ليعرف الأبناء تاريخ وطنهم، ويعلموا أن هذا الوطن الذي ينعمون اليوم بخيراته، قد قام على أكتاف رجال ضحوا كثيراً من أجل بناء الوطن ورفعته، وبذلوا من الجهد والمال والوقت، الكثير، كي يكون لهذا الوطن مكان ومكانة نتباهى بهما اليوم بين الدول والشعوب والأمم، وكي يدركوا أن الحفاظ على هذه المنجزات، يتطلب منهم بذل المزيد من الجهد والمثابرة، تماماً مثلما بذل السابقون وقدموا، كي يبقى هذا الوطن عزيزاً وشامخاً، وكي يبقوا هم مرفوعي الرأس، يتباهون بوطنهم، ويعتزون بالانتماء إليه، ويحافظون عليه من أجل مستقبل أبنائهم وأحفادهم.
لقد رحل عنا خلفان الرومي، عليه رحمة الله، بجسده، لكن روحه باقية بيننا، نستلهم منها القدوة، ونستمد منها القوة، ونفخر بأننا ننتمي إلى وطن أنجب لنا رجالاً عظماء، مثل خلفان الرومي، الذي ندعو الله أن يتغمده برحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهمنا وأسرته الكريمة، جميل الصبر والسلوان، جزاء ما قدم للوطن وبذل وأعطى.