تطالعنا وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام، بما يدور في عالم الشباب من ممارسات بعضها بريئة، تعكس حب الحياة واللهو والرغبة في المعرفة، والبعض الآخر ممارسات تجر المجتمع كله إلى هاوية خطرة.

ما تداولته وسائل الإعلام مؤخراً عن شباب يتشبه بالنساء، وفتيات يتشبهن بالرجال ممارسات لا تحترم خصوصية مجتمعنا ولا العادات والقيم الاجتماعية السائدة، ولا التنشئة الاجتماعية التي نشأنا عليها، ولا تحترم المنطقة وأخلاقياتها.

البعض يقول إنها ممارسات شخصية لا تضر أحداً وبالتالي يجب ألا يجرم من يرتكبها لأنها تقع في خانة الحرية الشخصية.

القائل بهذا الكلام لا يدرك عمق تأثير هذه الظواهر والممارسات على الآخرين ولا على المجتمع ولا على النشء الذي يقلد كل تقليعة وظاهرة جديدة دونما إدراك منه لعمق وتأثير هذه الظاهرة عليه وعلى مجتمعه.

أتذكر قبل سنوات عديدة عندما زار معالي الفريق ضاحي خلفان بن تميم، القائد العام لشرطة دبي آنذاك، جامعة الإمارات وألقى محاضرة قيمة عن الظواهر الاجتماعية المقلقة في مجتمع الإمارات، والتي وصلت إلى سجلات الشرطة.

الفريق ضاحي خلفان حذر من تنامي عدد من الظواهر الاجتماعية، منها ظاهرة تعاطي المخدرات والعنف الأسري والجريمة، ومنها أيضاً تشبه البنات بالرجال أو ما يعرف محلياً باسم «البويات»، وتشبه الرجال بالنساء وهروب القاصرات وغيرها من الممارسات، التي ترتقي إلى مستوى الجريمة فيما لو وصلت إلى مراكز الشرطة.

كانت بعض من تلك الظواهر التي ذكرها الفريق ضاحي في ذلك الوقت غريبة على المجتمع المحلي، وبالتالي أثارت تصريحات ضاحي خلفان الدهشة، ولكن ليس عدم التصديق، فالفريق ضاحي كان يتحدث من منطق العارف بالأمور، ومن منطلق منصبه في جهاز شرطة دبي، فانفتاح الإمارات الشديد وتوافد أعداد كبيرة من البشر والجاليات من مختلف الأطياف والجنسيات قد خلقت انفتاحاً كبيراً أدى إلى ظهور هذه الظواهر والممارسات الشاذة بين الشباب، التي فاق بعضها ما يحدث في دول الغرب.

هذه الممارسات لم تجد في حينها من يقف في وجهها بصرامة، ويحد من تناميها بحكم التطورات الحاصلة في مجتمعنا آنذاك ولهذا تطورت حتى أصبحنا اليوم غير قادرين على حصرها أو تقييدها، فعلاوة على التيارات الموجودة، التي لا تجد في هذه الممارسات أي غضاضة، فهناك منظمات دولية عديدة تراقب ما يجري في مجتمعنا وتدعي أن مكافحة هذه الظواهر إنما هو تقييد للحريات الشخصية، ولهذا أصبحت هذه الظواهر والسلوكات الشاذة لا تجد من يقف في وجهها بقوة ويمنعها.

ووجد بعض الشباب في هذه السلوكات تقليعة جديدة يمكن تقليدها واستخدم البعض وسائل التواصل الحديثة، للترويج لها بين الشباب حتى تلاقي الرواج المطلوب.

إن تنامي تلك الظواهر الاجتماعية الخطرة في وقتنا الحالي لهو دليل قوي ليس فقط على قوتها في خرق عاداتنا الاجتماعية وعاداتنا المتأصلة، بل أيضاً دليل على حصانة هويتنا الثقافية في وجه ذلك التحدي الأخلاقي، فوجود من يدافع عن تلك الممارسات داخل مجتمعنا بدافع أنها حرية شخصية وعدم قدرتنا على الرد على هذه التيارات بحزم إنما يعتبر دليلاً على إمكانية تغلغل مثل هذه الظواهر إلى مجتمعنا أكثر واحتمال وصولها إلى صغار السن.

إن مجتمعنا يجب ألا يكون بسبب انفتاحه وحداثته واحتضانه عدداً كبيراً من البشر بيئة حاضنة للظواهر والممارسات الشاذة الغربية عن أخلاقيات المجتمع وسلوكاته، فلا الحداثة تبرر ظهور هذه السلوكات الشاذة بين الشباب ولا التطور يبيح تشبه مجتمعنا بالمجتمعات الغربية على الصعيد الأخلاقي، فقد تغنى الشعراء بأخلاق الأمم، وقالوا إن الأمم باقية ما دامت أخلاقها باقية فإن ذهبت أخلاقها ذهبت الأمم وذابت في غيرها من الثقافات والأمم. وهذه القضية هي في واقع الأمر كناقوس الخطر يدق ليصحّينا على قائمة من الأخطار الأخلاقية المحدقة بنا.

إن ردنا على من يقول إن تلك الممارسات هي حرية شخصية، فإننا نقول إننا لسنا أبداً ضد الحريات الشخصية التي ضمنها قانون حقوق الإنسان العالمي ولكن أيضاً لسنا على استعداد لقبول الإفرازات السيئة لتلك الحريات، فليس كل حرية شخصية هي حرية مدروسة منهجية، وليس كل حرية هي حرية محسوبة النتائج.

ويجب أن ندرك أن التحديات الحضارية هي أكثر التحديات المستقبلية التي تواجه مجتمعنا من ناحية صعوبة التأثر والتأثير، فهي تحديات قد أصبحت بحكم عوامل كثيرة كالعولمة والتقنيات ووسائل الاتصال، أكثر تعقيداً وأصعب حلاً، ولكن يجب أن يكون لدينا الحزم الكافي والثقة المشتقة من ديننا الحنيف الذي يرسم لنا طريقاً سليماً نمشى فيه.