العودة إلى المستقبل

دعونا نسبق زماننا بأربع سنوات مقبلة ونتخيل، نادراً ما فرضت أحزاب ثالثة تهديداً يعتد به على الحزبين السائدين في أميركا.

فكيف إذن (فاز حزب الشعب بالرئاسة الأميركية وبالأغلبية بمجلسي الكونغرس في عام 2020؟).

لنفترض أن الأمر بدأ قبل أربع سنوات، أي مع انتخابات عام 2016.

وبحسب ما تتذكرون، لم يكن لدى دونالد ترامب ما يكفي من المندوبين كي يصبح مرشحاً للحزب الجمهوري. وبالتالي اجتماع الحزب الجمهوري في ذلك الصيف (تم التلاعب به)، الأمر الذي كان معناه أن مؤسسة الحزب قد سيطرت وقامت بترشيح رئيس مجلس النواب بول ريان.

ترامب حاول التحريض على أعمال الشغب، ولكن خطابه »أستحق أن أكون رئيساً لأنني أفضل شخص في العالم« أثار سخرية شاملة بدلاً من ذلك، وتسلل بعيداً عن المسرح الوطني.

وعلى الجانب الديمقراطي وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في الأصوات التي ذهبت إلى بيرني ساندرز خلال الشهور الأخيرة من الانتخابات التمهيدية، فإن المتبرعين الأثرياء لهيلاري كلينتون والمندوبين البارزين قد وضعوها على القمة.

وتنفست كل من المؤسستين الجمهورية والديمقراطية الصعداء وهنأتا نفسيهما لبقائهما مسيطرتين على الحياة السياسية الوطنية.

لقد نسبتا ارتقاء ترامب إلى تأجيجه للتعصب وكراهية الأجانب، ونسبتا شعبية ساندرز إلى تأجيجه لتطرف الجناح اليساري. وتجاهلتا بشكل مناسب الغضب الأكثر عمقاً في كلا المعسكرين بشأن تعسف الاقتصاد وعدم إنصافه، وبشأن تزوير النظام السياسي لصالح الأغنياء وأصحاب الامتيازات. وأغلقتا عينيهما عن الغضب ضدهما الذي اندلع في صفوف المستقلين والشبان والفقراء والديمقراطيين من الطبقة الوسطى والجمهوريين من الطبقة العاملة البيضاء.

ولذلك عادتا إلى القيام بما كانتا تفعلانه في السابق. فجمهوريو المؤسسة عادوا إلى ثرثرتهم القديمة حول فضائل »السوق الحرة« وعاد ديمقراطيو المؤسسة إلى دعوتهم القديمة بـ»إصلاح جنائي«.

وول ستريت والمؤسسات الكبيرة ومجموعة محدودة من أصحاب المليارات استأنفوا شد خيوط حزبيهما لضمان أن الهيئات التنظيمية لم يكن لديها موظفين كافيين لفرض القواعد وتمرير الشراكة عبر المحيط الأطلسي.

ودبر سياسيو المؤسسة تقليل الضرائب المفروضة على الشركات الكبرى وفي الوقت نفسه زادوا أشكال الدعم الفيدرالي لها. ووسعوا من نطاق الثغرات الضريبية الخاصة بالأثرياء وخفضوا الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية ليغطوا ذلك كله. (للأسف ليس لدينا خيار)، هذا ما قاله الرئيس الجديد الذي ملأ البيت الأبيض ووزارة الخزانة بالعاملين في وول ستريت وجماعات الضغط واللجان والمديرين التنفيذيين للشركات.

وفي هذه الأثناء، واصل معظم الأميركيين التراجع.

وحتى قبل ركود عام 2008 الاقتصادي فإن معظم العائلات كانت تكسب أقل مما كانت تكسبه عام 2000 مع معادلة نسبة التضخم. وواصلت معظم الشركات شطب معظم الموظفين من قوائم الأجور وإعادتهم إليها بموجب عقود »حسب الطلب«. وبالتالي لم يكن لدى العمال أي فكرة حيال ماذا كانوا يكسبون من أسبوع إلى آخر. وواصلت أوضاع العاملين الفقراء التراجع.

وفي غضون ذلك، نمت حزم مدفوعات الرؤساء التنفيذيين بشكل أكبر. وأصبحت مكافآت وول ستريت أكبر. وتضاعفت ثروات أصحاب المليارات.

ومن ثم أتى الركود مع خسائر بنكية وهو ما تطلب جولة أخرى من خطط الإنقاذ. وزير الخزانة المدير السابق لشركة مورغان ستانلي أعرب عن شعوره بالصدمة والغضب وأوضح أنه لم يكن لدى الأمة خيار وتعهد بالتشدد مع المصارف لدى انتهاء الأزمة.

الحياة السياسية تأبى الفراغ، وهكذا فإنه في عام 2019 بادر »حزب الشعب« بملء الفراغ.

دعا برنامجه إلى إخراج أموال طائلة من الحياة السياسية، وإنهاء "رأسمالية المحاسيب)، وإلغاء الرعاية الاجتماعية للشركات، وإيقاف الباب الدوار بين الحكومة والقطاع الخاص والتصدي لمصارف وول ستريت الكبيرة واحتكار شركاتها.

وتعهد حزب الشعب بإلغاء الشراكة عبر المحيط الهادي، وزيادة الضرائب على الأغنياء لدفع دعم للأجور (وهو توسع كبير في الخصم من ضريبة الدخول) لكل شخص يربح أقل من المتوسط ويرفع الضرائب على المؤسسات تقوم بتعهيد الوظائف في الخارج أو تدفع لمسؤوليها التنفيذيين أكثر بمائة ضعف عما تدفعه لعمالها العاديين.

التف الأميركيون حول القضية، وانضم الملايين ممن يصفون أنفسهم بالمحافظين وأحزاب الشاي بالإضافة إلى الملايين الذين يصفون أنفسهم بالليبراليين والتقدميين ضد المؤسسة السياسية التي برهنت على أنها عاجزة عن سماع ما كان يطلبه المواطنون على امتداد سنوات كثيرة. والباقي بحسب المستقبل الذي نعيشه الآن هو تاريخ.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات