شاع مصطلح القرار الوطني المستقل عربياً في مرحلة السبعينيات بارتباطه بالقضية الفلسطينية وبروز منظمة التحرير الفلسطينية تعبيراً عن الكيانية الفلسطينية.
وكان هذا المصطلح بالنسبة للفلسطيني تعبيراً عن رغبته وطموحه لأن يكون قراره صادراً عن مؤسسته بعيداً عن حقل الخلافات العربية العربية من جهة ورغبة في الاستقلال عمن يعلن نفسه مسؤولاً عن القضية.
ولكن لو نظرنا إلى هذا المصطلح من زاوية مجردة لحددناه بوصفه تعبيراً عن حق الدول باتخاذ قراراتها انطلاقاً من مصالحها الخاصة ومصالح مواطنيها. سواء كانت مصالح ذات علاقة بالأمن والاقتصاد أو ذات علاقة بالسياسة والثقافة.
وما تأكيد الدولة، أية دولة، على قرارها الوطني المستقل إلا تأكيد على تحررها من تبعيتها لأية دولة أخرى ولسياسة دولة ما ذات حضور فاعل في الإقليم أو العالم.
لكن هذا الأمر البسيط يصبح معقداً في حال الدول العربية التي تجمعها رابطة قومية ومؤسسة قديمة هي جامعة الدول العربية.
فهناك دول مستقلة من جهة وهناك رابطة قومية وجامعة من جهة ثانية. وعندها يطرح السؤال:
هل يجوز أو يمكن أن يتناقض القرار الوطني المستقل لدولة عربية ما مع مصالح الكل العربي؟ هل يمكن أن يكون هناك خطر ما على دولة عربية ولا يكون في الوقت نفسه خطراً على الأخرى؟ نظرياً يمكن لدولة عربية ذات سيادة أن تنظر إلى مصلحتها فقط دون النظر إلى مصالح الكل، ولكن الوعي الشعبي العام لا يستطيع أن يرضى بسلوك كهذا، كما أن في الأمر تناقض مع الجامعة العربية كمؤسسة تعبر عن المشترك العربي.
إذا أخذنا حالة راهنة معيشة الآن، ألا وهي حالتنا مع إيران. فإيران، والكل على علم بسلوكها، تمثل الآن خطراً على جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق. وذلك عبر خلق ميليشيات مسلحة تأتمر بأمرها تلغي حالة الدولة المستقلة والمستقرة في هذا الإقليم العربي، وتخلق شروطاً مذهبية لصراع طائفي الخ.
ولسنا نحتاج إلى كبير عناء لرؤية ما تقوم به في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وما تحاول أن تقوم به في البحرين والسعودية.
فهل يجوز لدولة عربية انطلاقاً من قرارها الوطني المستقل أن لا ترى هذا الخطر، وتقيم علاقة تحالف، أو علاقة صداقة معها؟ الجواب من حيث المبدأ وتأسيساً على الانتماء ومؤسسة التعبير عن هذا الانتماء - الجامعة العربية، لا يجوز إطلاقاً. وقس على ذلك فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. هذا جانب أول.
أما الجانب الثاني فهو متعلق بأهمية القرار الوطني المستقل فعلاً بوصفه قراراً ليس تابعاً لدول أجنبية وصادراً عن رؤية المصلحة الوطنية الكبرى، إنه التعبير عن الاستقلال الوطني الذي من شيمته أن يكون متحرراً من إملاءات دول أخرى مهما كانت فاعلة على المستوى العالمي.
فالتحالف العربي الذي تكوّن لمواجهة الخطر الحوثي - الإيراني في اليمن ما كان يمكن أن يولد دون الانطلاق من القرار الوطني المستقل.
هذا لا يعني بأن القرار الوطني المستقل للدولة لا يأخذ بعين الاعتبار العلاقات الدولية والتحالفات العالمية والقانون الدولي والشروط الموضوعية، بل على الضد من ذلك، يأخذ كل ذلك بعين الاعتبار ويجب أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار انطلاقاً من تحقيق المصلحة الوطنية ذاتها.
وأخيراً فإن القرار الوطني المستقل قد يتحول عند بعض الدول إلى مدخل أيديولوجي لاتخاذ موقف لا يتناقض مع مصلحة الوطن فحسب، وإنما مع مصلحة العرب أجمعين.
ولعمري إن العرب كل العرب اليوم يواجهون الخطر، فهل نصل إلى مرحلة الإحساس بالخطر فنتحدث عن القرار العربي المستقل.