سياسات الرئاسة الأميركية تثير صخباً كبيراً، ولكن ما حدث في بروكسل يذكرنا بأن الإرهاب سياسة أيضاً، الإرهاب سياسة الأجساد والدم والصرخات المنبعثة من الأبرياء الذين يتساءلون: لماذا؟

لقد جرى تعليم الغرب هذا مراراً وتكراراً، والدرس الأخير قدمه تنظيم «داعش» في بروكسل، في مدينة حلف «ناتو»، في مدينة الاتحاد الأوروبي، والآن العاصمة الأوروبية للتشدد.

يجب أن يكون من الواضح أن هذه هي حرب ضد الغرب، وتنظيم «داعش» جعلها حرباً يخوضها المتشددون.

ومع ذلك، ما الاستراتيجية الأميركية بشأن «داعش»؟ هذه هي المشكلة، نحن لا نعرف الرد على هذا السؤال.

الشعب الأميركي لا يريد حرباً أخرى، فنحن قد سئمنا الحرب، ومؤسسة الحزب الجمهوري دمرها أساتذة جناح الحرب في الحزب الذين يسعون الآن إلى الاحتماء بمعطف هيلاري كلينتون.

وحتى في هذه السنة الرئاسية السياسية لا يوجد لدينا حديث ناضج عن تنظيم «داعش»، ولا نعلم الكثير عن استراتيجية البيت الأبيض، في ظل باراك أوباما، فهي لا تتم مناقشتها، وتلك هي المشكلة.

هزيمة تنظيم «داعش» تعني استراتيجية حقيقة، ثقافية واقتصادية وسياسية وعسكرية، ويجب علينا معرفتها، بحيث يمكننا المجادلة دفاعاً عنها أو ضدها، لكي يقترع الكونغرس على اعتمادها أو إسقاطها، ولكن هذا يتطلب قيادة سياسية، بينما الرئيس أوباما كان مشغولاً بلعبة البيسبول في كوبا مع الدكتاتور راؤول كاسترو، وقال أوباما كلمات قليلة لإدانة الإرهاب، وليس الكثير غير ذلك.

في العام الماضي، أدين الرئيس أوباما من قبل كثيرين في اليمين، لقوله: «ليس لدينا استراتيجية متكاملة» بشأن تنظيم «داعش»، وتكرر هذا الأمر من قبل منتقديه عقب أخبار بروكسل، ولكن هذه المقولة كانت جزءاً فقط من كلامه كاملاً.

وقال في عام 2015: «ليست لدينا استراتيجية متكاملة، لأنها تتطلب التزامات من جانب العراقيين، فضلاً عن كيفية التجنيد والتدريب، وهكذا فإن تفاصيل هذا الأمر لم تظهر بعد».

لم يتم التوصل إلى الاستراتيجية بعد. لقد انسحب أوباما من المشهد، ويشاهد الآن لعبة البيسبول، وينحصر تفكيره في نهاية فترته الرئاسية، ويستمتع بالتصفيق في جولته المتعلقة بتراثه.

واستخدم الجمهوري دونالد ترامب هجمات بروكسل للحديث مجدداً عن تعزيز حدودنا والحاجة إلى ممارسة الإيهام بالغرق والتعذيب.

توقيت ترامب جيد جداً في العادة، ولكنه قبل أحداث بروكسل مباشرة تحدث بصورة عرضية عن الانسحاب من «ناتو»، وهو الأمر الذي يجعله يبدو بعيداً عن مناظريه أو أنه لا يفقه في السياسة.

الجزئية التي تتحدث عن الحدود القوية والتدقيق بشكل أوسع في المهاجرين أمر مشروع، وتعتبر حججه المعلنة شرعية، ولكن جداله في العلن لمصلحة الإيهام بالغرق أسوأ من الأقوال الحمقاء لطفل غاضب.وأعرب الجمهوري تيد كروز عن اعتقاده بأننا في حرب مع «نزعة التشدد»، وهو شيء يفهمه الشعب الأميركي، حتى لو كان لا يرتاح لقول ذلك، واليسار السياسي بالطبع مزق شعره وعكف على موقع «تويتر» ليدينه.

هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة، قالت بعض الهراء الغامض على الهواء في برنامج «صباح الخير أميركا»، وأوضحت بقولها: «ولكن هذا يتطلب تصعيداً حقيقياً للتعاون الأمني»، وأضافت: «يجب أن يكون هناك إقرار صادق بما ينجح وما يخفق».

ترجمة هيلاري: «ما الذي ينجح وما الذي لا ينجح؟ استراتيجية؟ أي استراتيجية؟ لا أريد انتقاد أوباما، فأنا بحاجة إلى الرجل، ولكن ما الفرق الذي يحدثه ذلك في هذا المنعطف؟»

وتجنب بيرني ساندرز المسألة، بخلاف تقديم التعازي.

الهجمات المنظمة التي قام بها تنظيم «داعش» في بروكسل أدت إلى وفاة عشرات الأشخاص بسبب التفجيرات، وهذه تتبع هجمات باريس بشهور قليلة، والهجومان معاً استهدفا مستقبل الاتحاد الأوروبي.

المستقبل الآن مشكوك فيه، وسياسات أوروبا بشأن الحدود المفتوحة مثار تساؤل، والصدى يتسع بين اليسار السياسي الحاكم المتعب في الاتحاد الأوروبي والأحزاب المناهضة للهجرة المنتمية إلى اليمين، فيما أوروبا تتصدع تحت وطأة اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط.

هؤلاء اللاجئون يضغطون على أوروبا اقتصادياً وثقافياً، وهم بصورة جزئية نتيجة لعقود من سياسة الحرب الأميركية التي أطاحت استقرار الحكام الدكتاتوريين، لا لشيء إلا لترك المتشددين يزدهون فيما بقي.

وبالتأكيد، فإن كل ذلك أمر سياسي للغاية، وليس هناك من وقت أفضل لإسدال الصمت عليه من الآن خلال انتخاباتنا الرئاسية.

ومع الأسف، فإن سياستنا لا تتعلق بحديث الكبار الناضجين عن أن أوروبا تتداعى تحت وطأة الهجرة غير المنظمة والفوضى الثقافية، وشأن بيرني، فإن اليسار الأميركي يؤثر عدم الانغماس.

وعوضاً عن ذلك، تتعلق سياستنا الرئاسية بمن جرحت مشاعره والأماكن الآمنة، ومن قال ماذا على شاشة برنامج «ساتردي نايت لايف».

سياستنا باتت تتعلق بصورة متزايدة بالأصابع التي استخدمت في التغريد عبر موقع «تويتر»، حيث يساق الناخبون بالسخرية والخوف من جعلهم يخجلون إلى المعسكرات التي يمكن الاستفادة منها.

ولكن الأصابع التي يكترث بها الإرهابيون هي تلك التي تضغط على الزناد، والتي تفجر القنابل.