تشغل الأزمة السياسية العراقية، الأوساط المحلية والإقليمية، بعد أن أصبحت دعوات الإصلاح التي نادى بها رئيس الوزراء العبادي، عرضة للتشكيك..

وسط تصاعد مشاعر الغضب في الأوساط الجماهيرية، التي تحولت احتجاجاتها من تظاهرات في الساحة الرئيسة في العاصمة العراقية أيام الجمعة، إلى اعتصامات أمام بوابة المنطقة الخضراء، بعد أن امتنعت القوات الأمنية عن استخدام القوة، لمنعهم من الوصول إلى هذا المكان.

لن نتطرق إلى ما سبق ذكره مراراً في وسائل الإعلام، عن حجم المشاكل، وعن الافتقار إلى القدرات على مواجهتها: قيادات وأدوات، إلا أننا سنركز على المسارات المحتملة التي ستتخذها الأزمة الحالية، التي دخلت فيها الحكومة في مواجهة مع جمهور غاضب، بدأ يستيقظ من غفوة ترياق التخدير الذي دأب على تجرعه على مدى ثلاث عشرة سنة من أحزاب الإسلام السياسي.

تأتي هذه الغضبة الشعبية، بعد مضي نحو ثلاثة أشهر على الحملة التي أطلقها العبادي لإجراء إصلاحات شاملة، كانت موضع ترحيب شديد في حينه، إلا أنه لم يستطع تنفيذ ما وعد به، وما دعوته لتغيير وزاري شامل وتشكيل حكومة تكنوقراط، سوى محاولة أخرى. فهذه المهمة أكبر كثيراً من قدرات التحالف الكبير، الذي يضم حزبه، بل أكبر من قدرات الطبقة السياسية الحاكمة.

الحكومة غير قادرة على القيام بإصلاحات حقيقية، لأنها لا تستطيع مواجهة الجهات التي تقاسمت النفوذ والمصالح، وسيطرت على جميع مفاصل الدولة بشكل تام، وأقامت علاقات مصالح مع قوى إقليمية، فهي على علم بمدى سطوتها، لأنها جزء منها. فليس من السهل على هذه الجهات، التخلي عما حصلت عليه من مال ونفوذ ووجاهة، خاصة بعد أن عززت هيمنتها بمليشيات مسلحة، تتحرك رهن إشارتها.

لذلك، اتجهت الحكومة نحو النتائج التي ترتبت على عمليات الفساد، ولم تستطع مقاربة أسبابه ورموزه، وإن فعلت، اقتصرت مناوشاتها مع الصغار والهوامش، وليس مع الصقور، فالفضائح الكبيرة التي تحيط برموز العملية السياسية، ما زالت تتفجر هنا وهناك.

أزمة العراق الحالية، هي الأكبر منذ سقوط النظام السابق، وهي مرشحة للتصاعد، بسبب سقف المطالب التي طرحها الجمهور، مقابل قدرات الحكومة المتواضعة، غير القادرة على مواجهتها إيجابياً. فهذه الأزمة لا تقتصر على تبعات تفشي الفساد وسوء الإدارة، بل تتجاوز ذلك إلى جوهر العملية السياسية، وإلى الدستور الذي استندت إليه، وإلى الأعراف التي تحكمت بمقاليدها، والتي أفرزت طبقة سياسية لا يمكن أن يستمر ائتمانها على مصالح الشعب العراقي.

العبادي تعامل مع الإصلاح كأنه مهمة شخصية، يضطلع بهندستها، فقد فاجأ شركاءه بتجاهلهم وتجاهل الأطر الدستورية المعتادة في التشاور مع القوى السياسية، ولم يطلعهم على المعايير التي استخدمها لاختيار مرشحيه لشغل حقائب وزارة التكنوقراط التي دعا إلى تشكيلها في وقت سابق، كوسيلة للخروج من نفق الأزمات. لذلك، لم يكن هناك استقبال ودي لطروحاته، فحالما قدم أسماء كابينة التكنوقراط التي يقترحها في مظروف مغلق لرئاسة مجلس النواب، تسربت للإعلام أسماء هذه الكابينة. المواقف الأولية للكتل السياسية، لم تكن في صالحه..

حيث تراوحت بين البرود وعدم الاهتمام، كما صدر عن رئاسة إقليم كردستان إلى الرفض، حسب ما صدر عن اتحاد القوى، في حين كانت كتلة المواطن أكثر وضوحاً في موقفها الذي نوهت فيه باستعدادها للمضي إلى ما هو أبعد، وهو حجب الثقة عن العبادي.

وضع حكومة العبادي على المحك، بعد أن قررت خوض معركة لا تمتلك ما يكفي لإدامتها من أدوات وحلفاء، وتسربت أنباء عن وجود انشقاق داخل التحالف الوطني، بل داخل حزب الدعوة ذاته.

أداء الحكومة على المستوى الأمني غير موفق، فلا تزال عصابات الخطف والقتل طليقة، تمارس جرائمها، فوفق تقرير بعثة الأمم المتحدة في بغداد «يونامي»، كان شهر مارس المنصرم، الأكثر دموية، حيث قتل فيه ما يزيد على ألف ومئة، بينهم خمسمئة وخمس وسبعون من المدنيين، بسبب الإرهاب والعنف المسلح. من جانب آخر، يشكل الوضع الاقتصادي السيئ، والفشل في مواجهة حيتان الفساد، عاملاً مهماً آخر في غير صالح الحكومة.

ليس من المتوقع أن تسمح الولايات المتحدة لخيوط اللعبة أن تفلت من أيديها، فهي من حيث المبدأ، لا تتمسك بالعبادي، خاصة بعد أن خبرت قدراته، وتعرفت على ميوله ونواياه، إلا أنها ترى أن الظرف لم ينضج بعد لإزاحته، وإسقاط النهج الذي يتخذه، والذي سبقه سلفه في اتخاذه في علاقاته الإقليمية التي لا تتفق مع مصالحها. في هذا السياق، جاءت زيارة بريت ماكغورك مبعوث الرئيس الأميركي باراك أوباما الخاص بالتحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش الإرهابي للعاصمة بغداد، في الثاني من أبريل الجاري، ليباشر مهمة تليين مواقف المعارضين للعبادي.