الوطن هو ما تسكنه ويسكنك. تحبه حتى لو ما أحبك. تشتاق له حتى لو هجرك. تهاجر إليه كلما اغترب عنك. يحضنك من أخمص قدميك إلى أقصى شعرك. إن عطش تسقيه من عرقك، وإن عطشت أنت يرويك من عيون ينابيعه. لا شيء أشبه بالوطن من الصحافة. هي وطن الصحافي، بيته الذي فيه ينسى بيته.
أسرته التي تكمل أسرته، فراشه إن حدث حادث أو اشتعلت حرب أو تفجر بركان في أقصى الشرق أو الغرب. وهي غطاؤه إن سقط سقف على عائلة في قرية تقصفها طائرات العدو في الأرض. ما أشرس الحروب وما أحوج الإنسان للسلام، لكن الإنسان اتجه إلى الغابة وأخذ معه القيم والأخلاق. تأقلم مع قانونها وصار يسابق الوحوش في التهام الفريسة الإنسان.
الصحافي الحــــقيقي مرآة وطنه. لكنه مرآة عاقلة مفكرة. ينقل الواقع بحـــيادية إيجابية لا سلبية. لا يختار النقطة السوداء في الثوب الأبيــض، فيضعها تحت المجهر لتكبر وتكبر، وتصبح أكبر من الثوب. بل يعكسها بحجمها الطبيعي، لا أكثر ولا أقل. يتابعــــها ويقدم حلولاً لإزالتها. مساحيق الغسيل وحدها لا تكفي ليعود الثوب أنصع بياضاً.
الأمر يحتاج إلى مطهر قوي ضد الإهــــمال والتقصير والفساد. مهمة الصحافي، أن يقترح الحلول، لا أن يزيد المشاكل تعقيداً، سعياً وراء إثارة رخيصة وسبقاً صحافياً الخاسر فيه الوطن. الحرية حق مشروع للعمل الصحافي، لكنها الحرية المسؤولة. فأن تخون شعبك، ليست حرية، وأن تخدم عدوه، ليست حرية، وأن تنشر غسيله على حبال الجيران الأعداء، ليست حرية.
الحرية نسبية. هي سكّر فنجان الشاي، إن زاد نقصت لذته، وإن نقص أصبح طعمه مراً. الحرية تقاس حبة حبة، كي لا تندلق الفوضى، ويعم الخراب كما عم دول ما سمي «الربيع العربي». الفرق كبير، بل وواسع جداً بين الحرية المسؤولة والفوضي الهدامة.
أنت حر.. ومن حقك أن تقول ما شئت بلسانك أو بقلمك أو بريشتك. وأن تعبر عن شكواك وقضاياك، وما يجيش في صدرك.. لكنك لست حراً أبداً في أن تنفلت وتسب وتقذف هذا، أو تتطاول على ذاك في قولك وكتاباتك ورسوماتك.. فرسالتك يمكن أن تصل إلى القلوب والعقول بأدب وتحضر ومهنية.
وأنت حر في ما تملك، لكنك لست حراً في أن تخرب الممتلكات العامة والخاصة، وتعتدي على الأرواح البريئة الآمنة، بدعوى أنك غاضب أو ثائر.. فالتخريب والاعتداء والغضب والثورة، حتماً تضيع حقوقك، بل وتضعك تحت طائلة القانون.
لقد غشتنا وزيرة الخارجية الأميركية «كونداليزا رايس»، حين تكلمت عن الفوضى الخلاقة عام 2006، ورأت فيها شرطاً لخلق شرق أوسط جديد، يخلو من كلمة «عربي»، أي تصبح كل دولة عربية مسؤولة عن نفسها فقط...
لذلك، رأيت أنه يجب الوقوف عند مفهوم نظرية الفوضى في كتب السياسة، وهي أصلاً الفوضى الخلاقة، التي تحدثت عنها رايس، محاولة تجميلها بكلمة «خلاقة»، هذه النظرية، يتم تعريفها بالشكل الآتي: «فلسفة سياسية تعمل على تحويل دولة إلى حالة من الفوضى، بحيث يتم تدمير أو تقليل سلطة القانون التي تربط المجتمع الواحد في الدولة، وتخلق هذه الفوضى حالة جديدة من النظام، وتفرض أمراً واقعاً، يكون هدفه الرئيس عادة، إسقاط النظام السابق..
إن قوة الفوضى الخلاقة، أنها تنقل العدوى إلى مَن حولها، وأنها تشبه الزلزال عادة، الذي له هزات ارتدادية في الدول الذي تشترك مع دولة المركز بالوضع الاجتماعي أو السياسي، أو ربما العرقي واللغوي.
وهذا هو ما يفسر سر انتقال الثورات بين الدول العربية. ولعل أبسط تعريف للفوضى الخلاقة، هو أنها «حالة سياسية أو إنسانية، يتوقع أن تكون مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة الأحداث»، ويذكر أن هذا المصطلح وجد في أدبيات الماسونية القديمة، حيث ورد في أكثر من مرجع..
إن هذه الثورات وما تبعها من فوضى مقصودة، تستهدف أمن الأوطان والسكان وقلب الأنظمة، وإعادة صياغتها بشكل يجعلها مسلوبة الإرادة والسيادة، ومهددة في معتقداتها وقيمها الأخلاقية والثقافية، وعاداتها وتقاليدها الإنسانية.
الصحافي يجب أن يتعمق في المفردات التي يستخدمها ويسمعها، ويتوجه بها إلى المـــتلقي، لا أن يكون كالببغاء يردد ما يسمعه أو يقرأه من أجهزة الإعلام الغربي. وكما يقول نعوم تشومسكي: إذا كنت تؤمن بحرية التعبير، فعليك أن تؤمن بحرية التعبير عن الآراء التي لا تعجبك. ويتساءل: كيف يكون لنا كم هـــائل من المعلومات، لكننا نعرف القليل؟!
المعرفة من واجب الصحافي، لكنها المعرفة البناءة، لا الهدامة. وطالما أن الصحيفة هي منبر للمعرفة، وبيت للصحافي، فعليه ألا يرمي عقول الناس بالحجارة أو بالبيض الفاسد!!