وصل بنا الفضاء الكوني إلى حالة شديدة الالتباس، تدعونا إلى مراجعة واقعه من ناحية الوظيفة والدور والتأثير وأيضاً من ناحية مسميات الأشياء، فهل يجوز بعد تغلغل وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة في حياتنا حتى النخاع وباتت إلينا أقرب من حبل الوريد أن نكتفي بتسميتها بـ«وسائل التواصل الاجتماعي» ترجمة للمسمى الأجنبي الأصلي «سوشيال ميديا» رغم أن الترجمة الأدق قد تكون «الإعلام الاجتماعي» ؟

العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين وما تبعها من سنوات العشرية الثانية شهدت ما يشبه خروج المارد من«القمقم» بميلاد هذه المواقع المثيرة مثل الفيس بوك والتويتر واليوتيوب وغيرها من مواقع التواصل الإلكترونية ومحركات البحث الجهنمية، ومع هذا التمدد الذي لا تكبحه حدود جغرافية ولا قيمية تداخلت بشدة وظائف وأدوار واستخدامات هذه المواقع ما بين السياسي والأمني والثقافي والمالي والإعلامي وأخيراً الاجتماعي الذي يبدو أنه أصبح مجالاً هامشياً رغم التصاق صفته بهذه القنوات.

من هذا المنطلق قد يكون من غير الملائم استمرار وصفها بوسائل التواصل الاجتماعي، بعدما أوجدت بالفعل حالة من التداخل الشديد بين ما هو عام وما هو خاص وشخصي وسط عدم وضوح الرؤية فيما يتعلق بدور القوانين والضوابط المجتمعية والأخلاقية والمهنية في ترويض هذا الوحش الجامح الذي اخترق حياة البشر من كل اتجاه وخلق نوعاً جديداً من الثقافة لا مبالغة في وصفها بـ«ثقافة التربص واقتحام الخصوصية»التي قد تحسب على الإنسان أنفاسه وتتبع خطواته وربما كذلك ما خفي من نياته !

ولعل من المناسب في هذا السياق الإشارة إلى أنه قد صدر في 1997 كتاب بعنوان «مأزق الابتكار: عندما تتسبب الابتكارات الجديدة في فشل الشركات العملاقة» لـ «كلايتون كريستيانسن» الأستاذ بجامعة هارفارد الأميركية، في هذا الكتاب يصنف كريستيانسين الابتكارات من حيث تأثيرها إلى نوعين رئيسيين:

الأول أطلق عليه «الابتكار الإصلاحي» يقوم على التطوير التدريجي لابتكار آخر موجود بالفعل ومستقر ومرتبط بشبكة من المصالح والأعمال ولا يغير طرق الإدارة ولا البيع والشراء ولا شرائح المستهلكين لهذا الابتكار ولا يخلق أسواقاً جديدة، هو بالأساس حل لمشكلات موجودة في ابتكار سابق له حتى يكون أسرع أو أكبر أو أرخص، ويضيف خصائص جديدة لما هو قديم، ويبني على النجاحات السابقة التي حققها الابتكار الأقدم.

أما النوع الثاني هو ما أطلق عليه كريستيانسن «الابتكار الراديكالي» أو «الفاصل» ومنها الزجاج الذي لا ينكسر، والكتابة والورق والطباعة والأسلحة (بداية من العجلة الحربية ثم المدافع والقنابل والبنادق والدبابات والطائرات..إلخ)،والتلغراف والسيارة، والتليفون، والراديو، والتليفزيون، والآلة الحاسبة، والكمبيوتر.. والإنترنت.

هذه الابتكارات تتميز عن غيرها في أنها تفصل ما قبلها عما بعدها وظهورها يغير جوانب كثيرة من الوضع القائم، فتكون الأمور بعده مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل ظهورها، تتغير أشياء كثيرة في مجالات كثيرة، تختفي مهن وتظهر مهن أخرى، تفلس شركات وتجني شركات أخرى الملايين وأحياناً المليارات، تظهر فئات وطبقات جديدة وتختفي طبقات تقليدية، والسلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية يعاد توزيعها بطريقة «تلقائية وديناميكية»، شبكة من الأفكار والمصالح الجديدة تتصارع مع شبكة من الأفكار والمصالح القديمة السائدة.

والآن شهدت شبكة الإنترنت ذاتها تغيراً نوعياً يعلن ميلاد «الموجة الثانية» منها: موجة التفاعل والتواصل والمحتوى الاجتماعي والشعبي«والذي تجسد في ظهور المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي وكان مؤشراً مهماً وواضحاً على رغبة الكثيرين من مستخدمي الإنترنت في التواصل مع الآخرين.

وقد أصبحت الشبكة العنكبوتية كذلك بالفعل؛ بيت الناس الثاني، إن لم تكن بيت بعضهم الأول، فاليوتيوب بات كما قال الخبراء أضخم شبكة تلفزيون شعبي في العالم والتويتر هي مكتب التلغراف العالمي الأضخم والفيسبوك أهم من أي شبكة هواتف دولية، ولكن طبيعة عمل هذه القنوات صاحبها محاذير عدة.

مثلاً في عام 2008 أصدر أحد القضاة في نيوزلندا حكماً يحظر على المواقع الإخبارية على الإنترنت نشر اسمي رجلين يتم التحقيق معهما في جريمة قتل، ولا ينطبق هذا الحظر على الصحف الورقية والإذاعة والتليفزيون، وكان تبرير القاضي «دافيد هارفي» لهذا الحكم أن هناك فارقاً كبيراً بين الإنترنت وغيرها من الوسائط سابقة الذكر، فالمعلومات التي تنتشر«ورقيا»لا تذهب بعيداً بحكم طبيعتها ولا تصل لكثيرين بحكم توزيعها. والمعلومات التي تنتشر«إذاعيا»و«تليفزيونيا» تذهب أبعد وتصل لأعداد أكبر، لكنها أقصر عمراً، وتنتهي حياتها تقريباً بنهاية بثها، أما المعلومات التي تنشر عبر الإنترنت، فلا تعترف بأي من هذه القيود.

بعض الدول والحكومات شرقاً وغرباً راحت تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي هذه في تقديم بعض الخدمات لمواطنيها، وأيضاً في التجسس عليهم ومراقبتهم وفي الدعاية ونشر الشائعات والأكاذيب وحملات التشويه وتضليل الرأي العام في الداخل وفي الخارج واصطياد المعارضين والمغضوب عليهم، لدرجة أننا أصبحنا في أمس الحاجة لفض هذا الاشتباك وتحديد أدوار ومهام واضحة للشبكة العنكبوتية كي لا تتحول إلى «كمين» لمستخدميها أو بؤرة للتربص بالآخرين وانتهاك خصوصياتهم.