حياة الإنسان عبارة عن «دوشة»، كما نسميها في اللغة العامية، ونعني بهذا أنها كثيرة المتغيرات والأحداث، ومجمل ما نفعله في حياتنا منذ الولادة إما عمل أو دراسة، وهذه مسؤولية وجهد وإرهاق لعقولنا لا يمكن الهروب منه، أو صرف النظر عنه مهما حاولنا، ولو أمعنا النظر لوجدنا أن معظم أيام عمرنا ونحن ملتزمون بشكل يومي بمشاغل الحياة وأعمالها ومتغيراتها.

وبموجب هذه «الدوشة» يحتاج الإنسان إلى راحة أو استراحة، أو ما نسميها اليوم إجازة أو عطلة، وفي واقع الحياة نجد أن غالبية العاملين لديهم في الأسبوع يوم واحد على الأقل عطلة، بخلاف الإجازة السنوية، والكثيرون يعتقدون أنها غير كافية..

والسبب أننا نرهق أنفسنا بالتفكير بها أكثر من الاستمتاع بلذتها، ففي أيام «الدوام» ننتظر بفارغ الصبر متى تأتي، وما أن تأتي ومن قبل أن تبدأ نفكر بأنها قاربت على الانتهاء، فلا نستمتع بإجازتنا، ولا بأيام دوامنا، والسبب لحالة عدم الاتزان هذه أننا نفتقر لثقافة الاستمتاع.

رغم أن العالم مفتوح وأصبح قرية صغيرة، إلا أننا لا نأخذ العادات الجيدة من الشعوب الأخرى، وكثيراً ما نتغنَّى بأفكار الغرب للإجازة، وكيف يهيئون الأجواء والنفسيات من أجل قضاء إجازة ممتعة مع العائلة أو الأصدقاء أو حتى مع أنفسهم، لكن نحن كمجتمعات شرقية نعاني من فقر في هذه الثقافة، وإن حاولنا عَيشها بمثالية لا نستطيع، فالمثالية فكر بالعقول وليس فعل وتصرفات، وإن أردنا أن نستمتع بهذه المتعة علينا أن نتعلم كيف نُربي عقولنا بأن من حقها أن ترتاح.

العقول البشرية بطبيعتها عليها أن ترتاح لكي تنتج وتبدع، ونحن من لا نُمكِّنها من ذلك، فحتى في ساعات الراحة اليومية؛ نعمل، ونجد الكثيرين لا يستمتعون بوقت إجازتهم بمحض إرادتهم، وذلك لأنهم ببساطة ينقلون مكاتبهم وأعمالهم إلى البيت، ويجعلون من أنفسهم آلة تعمل ليلاً نهاراً، فلماذا كل هذه «الدوشة»، فإن كانت الحياة هي من تفرضها علينا، فنحن أيضاً وبإرادتنا نزيدها ونجعلها أصعب فأصعب.

من عيوب الرأسمالية أنها جعلت الإنسان عبارة عن صندوق توفير «حَصَّالة»، يعمل طوال العمر من أجل أن يُعبئها، وتفكيره منحصر في استغلال جميع أوقاته لتحقيق هذا الهدف، لكن من أوجد الرأسمالية فَهِمَ تماماً كيف يَفصل بين مفهومِها وبين حياته الإنسانية الطبيعية، لكن نحن كشعوب عربية كثيري الشكوى..

ولا نَستمتع بمفاهيم رفاهية الحياة، فالإجازة عبارة عن مُتعة رَفاهية رِحلة فَرحة رَاحة وأيضاً استجمام، لكن نحن نحولها لالتزام، فمن يخرج مع العائلة يوماً في الأسبوع وليكن «يوم الجمعة» مثلاً، يتحول هذا الفعل مع مرور الزمن لعادة أسبوعية روتينية، فهل نحن نقصد هذا الشيء أم أنها ثقافة لم نتعلمها؟!

ما بين من يحملون حقائبهم وأوراقهم لترافقهم إلى البيت، ومن حوَّل الإجازة لالتزام رسمي، هناك ثالث جالس في أجمل بقاع العالم، لكنه مُنعزل عن هذا الجمال فشاشة هاتفه حاجز يفصلهما، فهو يطالعه مراراً ليتأكد من أن الأمور تسير على ما يرام في العمل، بل إن مراقبة بريده الإلكتروني يأخذ وقتاً أكبر من الاستمتاع بهبات الرياح وأصوات الأمواج..

والغريب أننا على شاشات أجهزتنا في العمل نضع خلفيات لمناظر طبيعية، لنوهم أنفسنا بأننا في إجازة، وعندما نتواجد في هذه الأماكن نحصر أعيننا أيضاً بمثل هذه الشاشات.

الحاجة لثقافة الإجازة ليست منحصرة فقط بالعامل أو الموظف، بل أيضاً بصاحب العمل والمدير، فهم يعلمون بأن «فلان» مثلاً في إجازة، لكن بقصد أو بغير قصد يعملون على جعل هذه الإجازة عبارة عن عمل إضافي دون مقابل، فساعة يرسلون له بريد إلكتروني، وساعة أخرى مكالمات هاتفية، فهل هؤلاء يَعون تماماً معنى الإجازة؟

أَغلقوا هواتفكم وضعوا رسالة آلية لبريدكم الإلكتروني مفادها أنكم في إجازة، وقبل الخروج في إجازة اجلس مع نفسك واقنعها بأن هذا الوقت هو حقك، بل هو مكافأة على ما صنعته خلال سنة من العمل، أو حتى أسبوع من الجد والنشاط، وتصالح مع ذاتك واقتنع بأنه لا يَضيع من لا يملك هاتفاً واتركه في البيت، وحاول أن تَستجمع قواك النفسية وتخبر مديرك بأنك في إجازة الرجاء عدم الإزعاج..

وباشر بتجهيز حقيبة سفرك أو معدات تنزهك وانطلق في رحلة الراحة والاستجمام، وحاول أن تصور لحظاتك الجميلة بعقلك وذاكرتك قبل أن تصورها بعدسة كاميرتك، وشارك أناسك وعائلتك بفرحة الوقت الذي يجمعكم قبل أن تشارك صورك على التواصل الاجتماعي، وأعلم أن أجمل صفقة لأعمالك هي المتعة مع زوجك وعيالك، وها أنا ذا أنصحكم وأنا في إجازتي التي لم أستطع أن أنفذ فيها شيئاً مما كتبته فهل أنتم ستقدرون؟!