أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، أخيراً، حكماً بسجن المجرم الصربي رادوفان كاراديتش، بالسجن 40 عاماً لإدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها «مجزرة سربرنيتشا».

وكاراديتش لمن لا يعلم مسؤول مسؤولية مباشرة عن قتل ثمانية آلاف طفل وامرأة وشيخ وشاب من مسلمي سربرنيتشا وظل هارباً من العدالة الدولية لمدة 11 عاماً إلا أن تم اعتقاله في بلجراد، حيث عاش متنكراً في شخصية معالج روحاني.

القضية التي أكتب عنها ليست قضية الخبر، وليس عن هذا المجرم العنصري المتعصب، الذي دفعه حقده القومي والديني لارتكاب مجازر قل مثيلها في التاريخ، والتي لا توازيها إلا مجازر الكيماوي في الغوطة والحولة وبانياس التي ارتكبتها الجماعة الحاكمة في دمشق. بل موقف الغرب من جريمة الحرب.

فلقد كتب إلي أحد الأصدقاء قائلاً: «عجباً من أمر الغرب هذا، فهو في حكمه على جرائم الصرب بحق مسلمي البوسنة والهرسك فإنما يدين أفراداً، وآلته الإعلامية نفسها تتحدث عن أفراد ارتكبوا جرائم حرب، فيما حين يتعلق الأمر بجرائم ارتكبتها الجماعات الإرهابية التكفيرية ذات الأيديولوجيا الدينية التعصبية العنفية فإنه سرعان ما يدين أمة وثقافة أمة بكاملها».

ولا شك بأن قوله هذا يدل على إحساس بالغبن بوصفه عربياً ومسلماً، وعلى وعيه الإنساني الذي لا يرى في ثقافته إلا ثقافة تسامح وعيش مشترك، وعلى براءة الأمة التي ينتسب إليها والدين الذي ينتمي إليه من أي عمل إجرامي إرهابي. وهو يرى ببساطة أن مسؤولية إجرام داعش وما شابهها من حركات تعصبية دينية كحركة بمعزل عن مذاهبها عن ذلك هي الأخرى مسؤولية أفراد وليس مسؤولية أمة ودين وشعب.

ففي الوقت الذي كان فيه ميلوسيفيتش وكاراديتش وغيرهم يقودون جماعات القتل والتطهير العرقي والديني لم يقل أحد في بلادنا بأن الصرب أمة إرهابية وبأن المسيحية دين إرهاب، بل كانت الإدانة موجهة دائماً لمجرمي الحرب أنفسهم. وأنا لا أتحدث هنا عن الإعلام أو الموقف الرسمي، بل عن الوعي الشعبي العربي والإسلامي.

فعلى الرغم من وجود تمييز في بعض وسائل إعلام الغرب ومسؤوليه بين الحركات الإرهابية عندنا والثقافة الشعبية العربية، والعرب عموماً، غير أن الخطر هو في بعض مظاهر الوعي الشعبي الأوروبي من العرب المسلمين، وهذا ما أحست به الجاليات العربية التي تعيش في أميركا والغرب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول وبعد أحداث باريس وبلجيكا.

بحيث صار ينظر إلى العرب والمسلمين هناك، بل وفي بلدانهم، على أنهم من طبيعة إرهابية، وليس الإرهابيون، كما هم، في حقيقة الأمر، مجرد أفراد وجماعات ضيقة، يجب أن تنحصر الإدانة بهم وحدهم، بل ويتناسون بأننا نحن العرب نكتوي بإجرام هؤلاء الأفراد والجماعات.

إن المرء ليتساءل هل الوعي الغربي الحالي بالعربي والمسلم هو وليد هذه اللحظة، أم إن له جذور أقدم من هذا التاريخ بكثير؟

والحق بأن الصورة التي رسمها الغربي للعربي والمسلم منذ القرن التاسع عشر، بل وقبل ذلك تنطوي على مثل هذا الوعي المعاصر بالعربي والمسلم، وقريبة جداً من الصورة الراهنة. ومازال الغربي يرثها عن ثقافته وكتبه. ولهذا فهو يستحضرها فوراً عند كل فعل ما يقوم به عربي مسلم، لينطلق منها في فهم هذا الفعل.

وكأن لسان حاله يقول: الجريمة في الشرق العربي المسلم جريمة جماعية، جريمة أمة، فيما الجريمة في الغرب هي جريمة فردية ليس إلا. متناسين بأن نمط حياتنا كله يقوم على السلم والأمان واللاعنف سواء في قرانا أو في مدننا.

أجل الجريمة فردية أو جريمة جماعة ضيقة سواء كان الأمر عندنا أو عند الغرب ولا تزر وازرة وزر أخرى.