كان من المعتاد في اجتماعات شركة غوغل، كما يذكر ذلك دوغلاس ميريل الرئيس التنفيذي السابق للمعلومات، أن تجد كثيراً ممن على الطاولة فاتحاً حاسوبه الشخصي من أجل إنجاز أعمال أخرى في نفس الوقت، لزيادة الإنتاجية، كما كان متوقعاً، وكما يظنه الكثيرون حتى الساعة، مع الوقت، مُنِع هذا السلوك، لأن المجتمعين كانوا يفوّتون نقاطاً هامة كثيرة، لأن أذهانهم تكون في مكان آخر، مع ما يقرؤون أو يكتبون على شاشة الحاسوب!

منذ فترة، خرجت إحصائية قامت بها مؤسسة Basex، تفيد بأن سلوكيات الموظفين، من رد على الإيميلات ومتابعة لمستجدات قنوات التواصل الاجتماعي، كتويتر، تكلف الولايات المتحدة الأميركية ما مقداره 650 مليار دولار سنوياً من وقت الإنتاجية، بينما تضيف فوق ذلك دراسة لشركة Bolt، بأن الموظفين يُضيّعون على تصفح الإنترنت و«السوالف» مع الزملاء، ساعات عمل تُقدّر قيمتها بقرابة 134 مليار دولار، ومن بين ما متوسطه 11 مليون اجتماع يُعقَد «يومياً» فيها، تُقدَّر تكلفة غير الضروري منها بما مقداره 37 مليار دولار سنوياً! أذكر هذه المعلومات الموجعة عن مؤسسات الافتصاد الأكبر في العالم، حتى أصل معكم إلى حقيقة، أن وقت العمل يُستنفَد منه الكثير في أمور غير منتجة، وبالتالي، لا بد أن نُحسِن استغلال المتبقي منه، إن صَعبَ علينا استغلاله كله، فما لا يُدرَك جُلُّه، لا يُترَك كُلُّه، ومن أولى الأولويات هنا، أن نجعل كافة الموجودين يعملون، لا أن نضع الأحمال كلها على ظهر البعض المتميز، فليونيل ميسي مثلاً، لن يستطيع تسجيل الأهداف والدفاع ضد الخصم، وحراسة المرمى في ذات الوقت، بدعوى أهمية كل هذه الأدوار، وكونه أفضل لاعب في العالم!

تمرنا الكثير من المبادرات والأفكار الرائعة، ويتحمّس لها الكثيرون، وتُناط لتنفيذها بمجموعة من خيرة الذين نعرفهم كفاءة والتزاماً وتفانياً، ثم ننتظر، وتتساقط أوراق الروزنامات، ولا يجدّ جديد، وتحفظ الأوراق والخطط في الأدراج التي لا تُفتَح بعدها، والخطأ هنا ليس في الأشخاص ولا في الخطط أيضاً، ولكن لأننا أثقلنا كاهل من هو مشغول أصلاً بمهام إضافية، وهو لا يجد مساحة للتنفس فيها!

إن الحماس الوقتي وقبول المهام الجديدة خلال الاجتماعات، طبيعي، وكثيراً ما يتوهم الإنسان أنه سوف يجد وقتاً «يوماً ما»، لإنجاز هذه المهمة الإضافية، وهو الأمر الذي لا يحدث، فهو غارق حتى أذنيه بمهامه اليومية، والتي لا تجعل لديه متسع وقت حتى لرؤية عائلته، وكثيراً ما يجعل المنشغل يقبل تلك المهام الإضافية، هاجس ضمان أن تكون بالجودة التي لا يقبل أن تقل بها عن مستوى معين، ثم مع الوقت، لا نجد الجودة وحدها لم تتحقق، بل كامل المبادرة!

إن أداء أكثر من مهمة في الوقت ذاته، تُخفِّض كفاءة الإنسان الإنتاجية بنسبة 40 %، كما ذكرت ذلك الدكتورة سوزان وينشينك بمجلة Psychology Today، وأيد ما ذهبت إليه، بحث مشابه لجامعة ستانفورد، بل الأدهى من ذلك، ما خرجت به دراسة لجامعة لندن، كانت بمثابة الصدمة، إذ بعد قيام عينات الدراسة بمهام مزدوجة، تم إخضاعهم لاختبارات الذكاء IQ، والتي أعطت نتائج كأنها لأشخاص قاموا بتدخين مخدرات الماريغوانا، ولم تتعد نتائجهم نتائج طفل في الثامنة من عمره!

نتفق على أن قاعدة باريتو التي تقول بأحد صورها، إنّ هناك قلّة مؤثرة تُمثِّل 20 % من الموظفين، مسؤولة عن 80 % من إنتاجية العمل، إلا أن ذلك لا يعني أن نحرق هؤلاء القلّة المتميزة، فإرهاقهم بالعديد من المهام، يعود بأثر سيئ على إنتاجيتهم حتى لمهامهم الرئيسة التي برعوا فيها، والسؤال هنا: ما الذي يمنع أن تُسند المهام لآخرين يمتلكون الوقت الكافي، حتى وإن كانوا أقل كفاءة، المؤكد هنا، أن المهمة سيتم إنجازها، حتى لو خرجت بـ 70 % مما يجب أن تكون عليه، لكن ذلك خير مليون مرة، من ألا تنفذ أصلاً، لأن الكفء لا يمتلك وقتاً لها!

من المهم أيضاً، على ذات السياق، أن نترك القيادات المؤسسية، والتي تمثل الــ Think Tank، للمؤسسة، للتركيز أكثر على جوانب التخطيط والتنسيق، ووضع السيناريوهات المستقبلية، وتقييم وتقويم مسارات العمل، على أن يوكل التنفيذ لغيرهم من الموظفين أو الـ Doers، حتى لا يستهلك وقتهم وطاقاتهم في ما ليس من المفترض أن يقوموا به، بل يحصر وقتهم في ما يعود بأكبر عائد على المؤسسة، لا الدخول في معترك التفاصيل والغرق فيها، وفقدان البوصلة إثرها!

إن قضية إرهاق المنشغل المتميّز بمهام أخرى، لا قِبَل له بها، بدل أن يتم إسنادها لشخصٍ آخر يملك متسعاً من الوقت والجهد، تُذكّرني بتلك الأحجية التي طالما «صدّعنا» بها مُنظّرو الإدارة، عن كيفية سكب زيت في كوب مليء بالماء أصلاً، والحل الساذج، أن تُريق الماء أولاً، ثم تملأ الكوب بالزيت، بينما أبسط «جرسون» في أي مطعم، يقدم حلاً أفضل منهم، فعندما يكون أمامك كوب ماء وتطلب كولا مثلاً، لا يسكب الماء، ولكن يأتي بكوبٍ جديد مملوء بالكولا، وكان الله غفوراً رحيماً!

لو كانت المؤسسات الخدمية مؤسسات ربحية، لعرفت قيمة سرعة التنفيذ، وما يُعرف بأفضلية المبادر First Mover Advantage، فتفويت الفرص يُفقد المؤسسة حصصاً سوقية كثيرة، وبالتالي، تقليل إمكانيات النمو، أو حتى البقاء في عالم تنافسي شرس، لكن في عالم المؤسسات الخدمية، فإن نطاق التأثر أكبر، حتى لو لم نلاحظ ذلك، فتأخر المشاريع والمبادرات التي يراد منها تغيير فكر المجتمع وعاداته وسلوكياته، تقوّض الخطط والتوجهات العامة، التي ترهن نجاح المستقبل وازدهاره بتحسين إطارات التفكير والمنظومة السلوكية.

إن الطموحات كبيرة، والهمم عالية، لكن الوقت قصير، والكمال مستحب، والجودة التامة مطلوبة، لكن القادرين على ذلك قلة مستنزفة أصلاً، وبدلاً من سؤال ميسي أن يحرس المرمى، سيكون من الأفضل تركه يفعل ما يبرع به من تسجيل الأهداف، ثم نكلّف لاعباً أقل بكثير بمهمة الحراسة، حتى لو قال ميسي إنه يستطيع!