حين وضعت جولة 1948 ــ ‏1949 من الحرب الإسرائيلية العربية الممتدة أوزارها، كانت قوات الدولة الصهيونية البازغة قد دمرت أكثر من 500 مدينة وقرية فلسطينية وشطبتها من خريطة الاجتماع البشري.

بعض تلك المدن والقرى المستأصلة بشراً وحيواناً وشجراً وحجراً، كان سابقاً في وجوده وعمرانه على اختراع الكتابة والتاريخ المدون.

في السياق ذاته ارتكب المقاتلون الصهاينة 36 مذبحة جماعية؛ كانت دير ياسين أكثرها شهرة رغم أنها لم تكن الأكبر حجماً لجهة عدد الضحايا والمبتلين. وجرى تشريد أكثر من 800 ألف فلسطيني؛ هم أجداد وآباء اللاجئين الذين تجاوز عددهم الآن 6 ملايين؛ كلهم محرومون من معظم حقوق الإنسان والشعوب الأساسية وفي طليعتها حق العودة.

وأثناء الاحتلال الإسرائيلي الأول لقطاع غزة، خلال ما عرف بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، اقترفت قوات الغزو كل ما يمكن تصوره من موبقات.. بما في ذلك عدد إضافي من المذابح الجماعية ضد المدنيين؛ راح ضحيتها أكثر من 2000 نفس فلسطينية زكية خلال الأيام الأربعة الأولى فقط من العدوان.

بوسع أي متابع منصف لمسار الغزوة الصهيونية الاستيطانية المسلحة وتفصيلاتها، استحضار نماذج تعز عن الحصر لمثل هذه الوقائع والسلوكيات المخزية، مع ملاحظة كيف أن هذه الجرائم تكثفت أكثر فأكثر، بعد استكمال الاستيلاء على فلسطين التاريخية بالكامل عام 1967، وتوالي الاعتداءات والاحتلالات الإسرائيلية في كافة جهات المحيط الإقليمي العربي.. الاعتداءات الإسرائيلية الصارخة، غير الخاضعة لأية قوانين دولية أو ضوابط أخلاقية على أرض فلسطين وجوارها العربي، تكاد توشي أيام الصراع وليس سنواته فقط. وأنه لا يبالغ كثيراً من يتصور أن يوماً لم يمر منذ قيام إسرائيل حتى ساعتنا هذه، بدون أن ترتكب هذه الدولة جريمة ما في حق الفلسطينيين أو العرب.

والحقيقة الأهم في هذا الإطار أن معظم هذه الجرائم عادة ما استهدفت الترويع والإرهاب والردع الثقيل وما يسمى بالضربات الاستباقية، دون أن يكون لها ضرورات عسكرية أو موجبات قتالية ميدانية، لا بالنسبة لوجود إسرائيل الدولة ولا بالنسبة لحياة مواطنيها.

مثلًا، أين هي الأخطار التي كانت تهدد حياة الجندي الإسرائيلي الذي سولت له نفسه المريضة قبل أيام إطلاق النار من المسافة صفر، ليفجر رأس فتى فلسطيني جريح ممدد على أحد اسفلتات مدينة الخليل بلا حول أو قوة؟. وما هي الموجبات القتالية وراء منع سيارات الإسعاف من الوصول إلى جرحى فلسطينيين؛ وتركهم ينزفون إلى أن تصعد أرواحهم شهداء إلى الرفيق الأعلى؟

ذلك كله مجرد غيض من فيض السيرة الإرهابية لإسرائيل، الدولة ومستوطنيها. ومع هذا، ثمة من يتشدق من الإسرائيليين بحديث «الأخلاق السامية والحرفية والمهنية والانضباط»، التي تحف بتصرفات قوات الجيش والشرطة وتحدد لهم قواعد الاشتباك وإطلاق النار في مختلف المواقف. وفي غمرة هذه الأحكام والتقييمات المرسلة، توشك أن تختفي من واجهة التناظر مداخلات بعض المنصفين الإسرائيليين، الذين يسخرون من الفتاوى التي يطلقها حاخامات ملتاثون، من أمثال اسحق يوسف وشلومو الياهو؛ ويسوغون بها قتل الأغيار في أرض إسرائيل».

مفرقين بذلك بين دم ودم وأنفس وأنفس. ويصل بهم الهوس إلى القول بأن الوصية التوراتية بتحريم القتل موجهة في الأصل من يهود إلى يهود ولا تستطرد إلى غيرهم..».

يتلقى المحاربون الصهاينة، عبر مختلف أطر التنشئة الاجتماعية والتعبئة الإيديولوجية والسياسية، بما فيها رؤى المتطرفين الدينيين وفتاواهم القميئة، الذين يشبه بعضهم العرب والفلسطينيين بالحشرات، عقيدة قتالية تتضمن أنه لا قدسية لدماء وأرواح الأغيار بعامة والعرب والفلسطينيين بخاصة. ونحسب أن بيئة موبوءة كهذه، لا يمكنها سوي إعداد كتائب من القادة والضباط والجنود والمستوطنين الأشرار، منعدمي الأخلاق والنوازع الإنسانية؛ الذين يخافون ولا يستحون.