ورد في الحدائق، ورد في المشاتل، ورد في الشوارع وثمة ورد يشق الصخر فتنبت في مسامات الحجر زهرة مصرة على الحياة رغم قسوة المكان.
إنه موسم الربيع، الربيع الطبيعي لا الربيع العربي. ذاك ورد وعطر يفتح شهيتك على الحياة ويفرش يومك بالأمل. وهذا قتل ودم. إن لم تجد من يعد لك قهوتك، تعدها أنت على نارك. تعبق رائحتها فتتسلل إلى شرايينك، تفتحها لتستقبل يوم حياة جديداً. وإن لم تجد من يبتسم لك تبتسم وردات حديقتك أو شرفتك أو حتى تلك التي تسكن الرصيف. تفرح، لكن عمر الفرح في هذا الزمن قصير. أقصر من طول رصاصة بينها وبينك قذر يريد قتلك، وقدر لا قدرة لك على تغييره.
ثمة خلط بين مفاهيم مرفوضة ومفاهيم مفروضة، بين سياسات عمياء تقودك إلى الهاوية رغماً عنك وسياسات وحشية يفرضها الأقوياء. نحن في زمن منطق القوة لا قوة المنطق. فلا مدينة فاضلة إلا في ذهن أفلاطون ولا منطق إلا في تنظير أرسطو.
هذا المنطق اللا منطقي السائد الآن ليس بجديد على تاريخ البشرية. ولا بد من تقرير حقيقة تاريخية كونية قد لا يرتضيها بعض طلاب حوار الحضارات ولكنها سنن التاريخ تعلو ولا يعلى عليها. فقد كتب تاريخ الحضارات البشرية بحلوها ومرها أن مداد السيف بين الشعوب هو من جعل بعضها يتربع على العرش دون غيرها لأن منطق القوة يلبسهم تاج الريادة والسلطة عن يد وغيرهم صاغرون.
فالرومان وما فعلوه باليونان، والفرس وما فعلوه بالرومان، والمسلمون وما فعلوه بالفرس والرومان والإسبان، والإنجليز وما فعلوه بالعرب والهنود والأستراليين، والفرنسيون وما فعلوه بالطليان والألمان، والأميركيون وما فعلوه باليابان والألمان، وهكذا دواليك عندما تتبع التاريخ تجد أن الصدارة للأقوى وللآخرين التبعية أو الموت. فلم تسد الأمم بغير قوتها.
وما من أمة بادت أو كادت بغير ضعفها وتفككها فالقوة وليس الصلاح هو الحكم بين الحضارات. إن ما أطلقوا عليه «الربيع العربي» ما هو إلا مقبرة بابها حديقة وتزين قبورها نباتات وأشجار كما في المسلسلات التركية، لكأن الأموات يخرجون للتنزه بين فترة وأخرى!
فقد أصدرت مجلة (فورن أفّيرز) مع عددها كتاباً مرجعياً - تحليلياً للربيع العربي في ذكراه الخامسة بعنوان (الربيع العربي في الخامسة). وكيف تكون الذاكرة التاريخية لهذا الربيع الذي كان عبارة عن موجة شعبية تبحث عن ديمقراطية اجتاحت المنطقة عام (2011) كحلم حقيقي لينقلب إلى (حلم كابوس).
يقدم الكتاب الإلكتروني نظرة شمولية للتحولات في الشرق الأوسط من وجهات نظر خارجية تكونت من خلال (51) مقالة تحليلية سياسية واقتصادية واجتماعية تمثل وعد الربيع العربي وبحثه عن تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، كما تمثل غموض رسالته وهل هي حقيقية أم سراب!
ومن أبرز النتائج التي توصل إليها الباحثون أن المجتمع العربي خسر حوالي (1.3) مليون قتيل، وأصبح (14) مليوناً من سكانه لاجئين. وتقدر تكلفة القتال فيه حتى تاريخه 850 مليار دولار أميركي. بدعوى إيجاد نظام عربي جديد. لكن لم يتمكن هذا الربيع من تحديد ملامح ذلك النظام الحلم مقارنة بذلك الربيع الأوروبي الذي انطلق عام (1848) على مستوى القارة.
وانتقل من نجاح إلى آخر، مع سقطات هنا وهناك، حتى أنتج هذا النمط الديمقراطي الذي أصبح جزءاً من مقومات الشخصية الأوروبية، وسمة من سمات المجتمعات الأوروبية.
تذهب إحدى تلك المقالات إلى مأساة اصطدام الربيع العربي بالواقع «المرير والعنيد على التغيير»: فالتراجع الاقتصادي، وارتفاع معدل البطالة، وطمس النجاحات الديمقراطية، مع بداية ذلك الربيع، مؤشرات على تلك المأساة والأخطر من ذلك ما يجري من سفك الدماء والصراع الدامي مع التنظيمات الإرهابية، ونشوب القتال في عدد من الأقطار العربية الذي يمكن أن يوصف «بحروب أهلية».
وحسب تقرير صادر عن البنك الدولي فإن مستوى (الحاكمية) في العالم العربي أصبح أدنى مما كان عليه ذلك المستوى قبل الربيع العربي، وأما مستوى (الفساد) فقد تعاظم.
وأصبح يشكل خطورة ومشكلة اقتصادية - مؤسسية - مجتمعية معقدة الحلول، وأما تقرير (منظمات المجتمع المدني الدولي الحرّ) (Freedom House 2016) فقد أشار إلى أن التحسّن في مستوى (الحاكمية) في المجتمعات العربية عملية إصلاحية ضعيفة غير قادرة على التغلب على (الإحباط) الذي يسود المجتمعات العربية في تطلعاتها نحو نموذج من (الحاكمية) التي تنفض غبار الإحباط وتلبي حاجات المنطقة للسلم العام والأمن الاجتماعي.
والذي أصبح مطلباً أكثر إلحاحاً وأشدّ أولوية، ففي إحدى دول الربيع العربي أشار استطلاع إلى أن أكثر من نصف السكان يفضلون: الاستقرار والنزاهة في الحاكمية على (نموذج ديمقراطي غير آمن ويهدد النمو أو التحسّن الاقتصادي).
وسيظل العالم العربي يبحث عن نموذج (للحرية والعدالة) من خلال فهم مجتمعي (للربيع العربي) بدراسات معمقة لمعرفة أبعاده المستقبلية. فلا يمكن اعتبار (هذا الربيع) قد ولّى بغير رجعة. إذْ بدأ نهضة مجتمعية شعبية هنا وهناك.
لتحقيق طموحات حيّة تتمثل بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. وأن فرص النجاح أصبحت ممكنة إذا ما تغلبت الشعوب العربية نفسها على الإرهاب والتطرف، فكراً وسلوكاً.
ثمة من يدعي أن الربيع العربي حرّر الإنسان العربي من عقدة الخوف من الأنظمة، لكن هذا الادعاء أعمى، يرى القناع ولا يرى ما خلفه إذ ما جدوى أن تتحرر من الخوف من الحاكم لتقع فريسة للضباع، فها هي الضباع تنهش أجساد أوطان كانت موحدة، وما جدوى أن تكون حراً في وطن أصبح قبراً كل من فيه ميت، فلا حدائق تفتح لك ذراعيها ولا ورود تصبح عليها وتصبّح عليك ولا حياة لميت!!