جميل جداً أن تدخل قاعة الامتحان وأنت جاهز بفكرك ومعلوماتك ودراستك، فما إن توضع أمامك ورقة الأسئلة حتى تبدأ الإجابة بكل ثقة، لكن ما هو الحال عندما تكون مادة الامتحان هي الحياة بأكملها، وطبيعة الأسئلة إجابتها مواقف وعبر، والإجابة محسوبة على شخصيتك وشخصك، والخطأ فيها ليس علامة يمكن تعويضها بل هو موقف يحسب لك أو عليك.
في واقع الحياة نربي أجيالنا وندرسهم في المناهج والكتب، ويخاطبهم العُقلاء والمفكرون ورجال الدين بوجوب المحافظة على المبادئ، وكل ذلك من أجل الاستعداد لخوض امتحاناتها، إلى أن تصادفنا الامتحانات المفاجئة، وذلك عندما تواجه موقفاً تتعارض فيه مبادئك التي عشت وتربيت طوال عمرك من أجلها، باعتبار أنها قيمتك بين البشر وسلوكك بين الناس، مع مصلحتك ومنفعتك، مثل هذه المواقف تجعلك تفكر لأيام فما هو التصرف السليم فيها، فإن اخترت مبدأك خسرت المنفعة والمصلحة وكسبت ذاتك، وإن اخترت مصلحتك ومنفعتك خسرت ذاتك وربما كسبت الكثير، وأيضاً لو جاء في ورقة الامتحان سؤال آخر محير جداً «هل تلتقي المبادئ والمنافع؟»، وتكون الإجابة محددة ولا يوجد خيار من متعدد، فتجد أن الإجابة ستكون في أن الصراع القائم بين المبادئ والمنافع صراع متشعب يصل إلى جميع مناحي الحياة، وأيضاً لا نعلم ما هي الإجابة الصحيحة حين نوجه السؤال الثاني «ما الذي يغلب على تعاملاتنا في الحياة، المبادئ أم المنافع أم ما نسميها المصالح؟!»، فأصحاب المبادئ كثيرون وأصحاب المنافع أكثر وأكثر، ومن الرابح بينهما ومن الذي سيحصد العلامة الكاملة في هذا الامتحان، مازلنا إلى هنا لا نعلم.
يقال إن الرجل الحقيقي هو من يثبت على مواقفه ومبادئه، ولا يتغير مع تغير الظروف والأحداث، ولا تغريه المصالح والمنافع، أما أصحاب النفوس الضعيفة فهم يتمايلون كما الورقة أمام هبوب الرياح، فلا تستطيع أن تجد لهم وجهاً ثابتاً، فهم يتغيرون تبعاً للمصالح، وليس لديهم أدنى مشكلة من أن يجعلوا أنفسهم سلعة تُباع وتُشترى، ومن آرائهم وأفكارهم كلمات لها أثمان، فمن يدفع أكثر انحازوا إليه وباعوا مبادئهم من أجله، فنجد من يقول لك: «ضبط وضعك مع المدير، وتدهن سير المدير، شو راح تخسر، انس الشعارات ومبادئك البالية وخلينا نعيش الواقع»، فأمثال هؤلاء اعتبروا الرزق متمثلاً في (الوظيفة، أو الترقية، أو زيادة الراتب).
نحن نرى في هذا العالم أُناساً يغيرون مبادئهم وأقوالهم كل يوم، بل إنهم يتخلون عما تعلموه وتربوا عليه من أجل الحصول على منافعهم الشخصية، وكأن المبادئ عبارة عن ثياب جميلة تعتني بها وتعطرها من أجل الحصول على صورة محترمة أمام الآخرين، وبداخلها نفوس دنيئة تتخلى عن احترامها وعزتها من أجل مصلحة فانية وسعادة آنية.

هناك فرق بين هؤلاء المهرجين الذي يلونون تصرفاتهم وفق ما تقتضيه مصالحهم، فلا تعرف لهم عدواً من صديق، فالجميع أصدقاء وقت المصلحة والجميع أعداء وقت انتهاء المصلحة ذاتها، وبين أولئك الشجعان الثابتين على كلماتهم كحد السيف، والمقتنعين بأن الذات هي مبادئ عليك العيش من أجلها، والفريقان موجودان في هذه الحياة، وللأسف أن النفوس الدنيئة لها الغلبة على النفوس الشجاعة بموجب قانون (الكثرة تغلب الشجاعة)، ففي تعاملاتنا اليومية نعيب كل شخص يتمسك بمبادئه، إلى أن أصبحت الشخصية المتلونة شخصية «شاطرة» كما نسميها، وكم هم الشطار الذين نقابلهم، بل أصبحنا نطلب من أبنائنا استغلال الأحداث والمتغيرات للوصول إلى النجاح، فنقول لهم: «دبر عمرك، خلك شاطر، استغل الموقف»، إلى أن تشبّعت شعوبنا بفكرة أن المتقلب في مبادئه الذي لا يخضع لمبدأ محدد هو الأقرب، لأن يحصد العلامة الكاملة.
امتحان المبادئ، امتحان مهم من أجل رفعة أوطاننا وأمتنا، فالوطن والولاء والانتماء مبدأ من مبادئ الحياة،
ولو أمعنا النظر اليوم وتساءلنا كيف تدار الأمور في حياتنا وفي العالم أجمع، لوجدنا أن هناك دائرة يتوسطها القوي ويحوم حولها الضعفاء، يتوددون إليهم، وينطبق عليهم قول الشاعر «فإن قال الرئيسُ: اليومَ سبْتٌ.. فنِعْمَ السبت ما قال الرئيس، فإن قال الرئيسُ غداً خميسٌ = فنِعْمَ السبتُ يعقبُه الخميسُ»، فمن أجل المصلحة هان كل شيء بما فيه النفوس، ويقول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: «اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير». فحديث رسولنا الكريم، يأخذنا إلى نوع من أنواع المبادئ، ويقدم لنا وسيلة مساعدة لامتحان الحياة.
يا ليتنا نعيد تقدير الموقف ونوجد معايير تزرع في مبادئ الأجيال، ولا تكون مبادئنا عبارة عن حبر على ورق، وأسئلة تصيبنا بالأرق، بل هي طريق نسير به ثابتين، فلا يوجد أجمل من عزة الأنفس، ولا أرقى من المبدأ الذي نضعه لنصل إلى تحقيق الطموحات، فهذا ما نريد أن نكتبه في ورقة الإجابة، ولدينا قناعة بأن العلامة في امتحان الحياة ليست على موقف ولا عدة مواقف، بل هي على منهج الحياة بأكمله والحياة طويلة، فمن باع مبدأه في بدء نشأته يستطيع أن يبيع أي شيء، ولن يجديه نفعاً محاولة استرداد كرامته على كبر، ومن تمسك بمبادئ الأخلاق ولو كان خاسراً في نظر الكثيرين إلا أنه ناجح بنظر نفسه وفي رضا ربه.