إذا كان «الغضب» مطلوباً بعد التفجيرات الإرهابية الأخيرة في بروكسل، فمن المؤكد أن «التعقل» بات ضرورياً لمواجهة هذا العنف المتصاعد باسم الدين أو غيره من الأفكار المتطرفة، ولاشك في أن الإرهاب بكل أشكاله ومسمياته يستوجب أشد مواقف وعبارات الإدانة والاستنكار أينما كان موقع حدوثه، وبغض النظر عن التنظيمات المنفذة والجماعات المستهدفة، ففي المحصلة النهائية هناك المئات وربما الآلاف من الأبرياء يسقطون بين قتيل وجريح، فضلاً عن مساحات الدمار والخراب الواسعة.

يقود ذلك إلى حديث حول الإجراءات المطلوبة في إطار المعالجات العملية للتصدي لظاهرة الإرهاب العالمية، وفي القلب منها العرب والمسلمون باعتبارهم أكثر من يكتوي بناره ويُحمّلون في الوقت ذاته الجزء الأكبر من مسؤوليته، فباتوا بالتالي مستهدفين من جانب الدول الأجنبية لتقليم أظفارهم كجزء من استئصال الداء، ولكن هذا التصور وكما ثبت عبر سنوات عدة في الماضي والحاضر، عقيم ولا يؤتي ثماراً.

بل إنه بالتأكيد قد يأتي بنتائج عكسية، وما حدث في فرنسا العام الماضي وبلجيكا الأسبوع الماضي، ومناطق أخرى من العالم خير دليل على ذلك، والمؤسف أن الدول الغربية ورغم اكتوائها بنيران الإرهاب في محطات عدة، ورغم المقاربات السياسية والثقافية والإنسانية التي طرحت عليها لمواجهة الظاهرة من جذورها، إلا أنها مازالت تصم أذانها عن الوصفات الشافية، وتتمسك بالنهج الخاطئ القائم على المعالجات الأمنية فقط.

إن التصدي لظاهرة الإرهاب لدى بعض النظم والحكومات قد يعني على نحو متعجل الانصراف إلى تفضيل «الضربات الاستباقية» المبنية على المعلومات الأمنية والاستخباراتية، ولا غضاضة في ذلك لإجهاض الخطر في منبعه، وهو أمر مطلوب بكل تأكيد، خصوصاً إذا ما كان الخصم قد اختار طريق العنف المسلح وصولاً إلى أهدافه.

ولكن بالتوازي مع ذلك هناك سلسلة من الإجراءات العملية المطلوب تنفيذها على أرض الواقع للخلاص من البيئة التي تفرز مثل هذه الجماعات، وتساعد على نمو الفكر المتطرف الذي سرعان ما يتحول إلى قنابل موقوتة تنفجر لتحصد أرواح الأبرياء.

ذلك هو الشق الأهم من إجراءات المواجهة وهي سلة متكاملة من البرامج والسياسات المتداخلة ما بين السياسة والاقتصاد والتنمية الثقافية والاجتماعية، علاوة على تبني مفاهيم إنسانية أساسية على رأسها العدالة والمساواة، وهي برامج يجب أن تكون عابرة للحدود بين مختلف الدول، وكما ذكرنا في البداية أنه لا يمكن الدفاع عن أي عمل إرهابي تحت أي مظلة؛ فكرية أو سياسية أو دينية، ولكن قيم العدالة والمساواة والديمقراطية الدولية وتوحيد المعايير في التعامل مع قضايا العالم، جميعها قيم تستوجب الدفاع عنها وإقرارها على الصعيد العالمي بعيداً عن الهوى السياسي.

فمعظم المهاجرين، خصوصاً الشرق أوسطيين والأفارقة حتى من أبناء الجيل الثاني الذين ولدوا ونشؤوا في الدول الأوروبية، مازالوا يعانون من المعاملات والنظرات العنصرية التي تحول دون دمجهم في مجتمعاتهم وتحقيق العدالة والمساواة بالنسبة لهم، وفي بلجيكا على وجه التحديد وعبر سلسلة نقاشات مع مواطنين بلجيكيين من مستويات مختلفة.

كان من السهل على الفور أن ندرك أن الأوروبيين يصنفون المهاجرين في فئتين؛ إما مجرمين وإما إرهابيين، وتلك نظرة مجتمعية شاملة بغض النظر عن الاستثناءات التي يمكن الحديث عنها هنا أو هناك، ولعل تلك المسألة تمثل بداية الخيط عند الحديث عن الإجراءات المطلوبة لمحاربة الإرهاب واستئصال جذور الكراهية المتبادلة.

فقد بات من الضروري تحقيق العدالة الداخلية في الدول المستهدفة، من خلال المساواة بين الأوروبيين والمهاجرين والعمل على إدماجهم في المجتمع بإسقاط المعاملات التميزية ووضع حد للنظرة العنصرية والدونية لهم، وعدم التعامل معهم على أنهم مجموعات من الإرهابيين أو المجرمين الخارجين على القانون وتوفير البيئة المناسبة لاستيعابهم مجتمعياً وتنميتهم ثقافياً وتعليمياً واجتماعياً.

والعمل بقدر المستطاع على توفير فرص العمل لهم بنفس أسس وقواعد وحقوق وواجبات أبناء البلد الأصليين، وأغلب الظن أن مثل هذه الإجراءات كفيلة بنزع فتيل الكراهية المتبادلة وإقامة نوع من العدالة والمساواة، والأهم تهيئة البيئة المناسبة لقتل الأفكار المتطرفة في مهدها.

كذلك ينبغي العمل على إقامة العدالة الدولية والديمقراطية الأممية، وقد باتت أمراً مهماً ضمن العوامل التي يتوجب تنفيذها كأحد أساليب مكافحة الإرهاب، فالحديث مثلاً عن القضية الفلسطينية يجرنا فوراً إلى الهمجية الصهيونية والعدوانية الإسرائيلية المستمرة ضد العرب عموماً والفلسطينيين على وجه الخصوص، ما قد يدفع الشباب إلى سبل أخرى ربما من بينها المقاومة العنيفة لغياب العدالة الدولية النابعة من الغرب بشكل أساسي.

وفي هذا السياق أيضاً، لا يمكن إغفال الحديث عن التعامل الأميركي ــ الغربي مع القضايا والأزمات العربية التي لعبت القوى الغربية دوراً كبيراً في تأجيجها وإثارتها من الأساس ضد رغبة أغلب شعوب المنطقة.

ومن ثم كان من الطبيعي أن ترتد شظايا هذه الأعمال الهمجية والعدوانية على من خططوا ودبروا ونفذوا ودمروا وقتلوا شعوباً آمنة، ومن هذا المنطلق ولدت جماعات إرهابية في بيئة خربة، وبدلاً من مواجهتها في مهدها، مهدت لها المخابرات الغربية الطريق لتتوسع وتنتشر.

وتتوغل حتى باتت كالسرطان الذي يمزق جسد صاحبه ويطال أيضاً أجساد من زرعوه، ولا يحتاج الأمر كثيراً من الاجتهاد للجزم بأن من الإجراءات المطلوبة لمحاربة الإرهاب حتمية الإنصاف الغربي للقضايا العربية، وعدم التلاعب بدول المنطقة، وقد تكون بداية ذلك مثلاً توفير حلول آمنة وعادلة لقضية اللاجئين، بدلاً من المتاجرة بأرواحهم ودمائهم بعدما تم التلاعب بمقدرات شعوبهم.