في الوقت الذي كان الإرهاب فيه يضرب أوروبا، ويقتل ويجرح العشرات في بلجيكا، ويجعل الدول الغربية تعلن حالة الطوارئ، فيغلق بعضها مطارات، ويوقف وسائل مواصلاته، بعد أن شلت الهجمات الإرهابية الحياة في القلب الإداري لأوروبا، كنت ومجموعة من الأصدقاء نبحر وسط نهر النيل العظيم،على متن الباخرة «نايل ادفينشرر» السياحية، في الجزء الجنوبي من جمهورية مصر العربية.
منطلقة بنا من مدينة أسوان، أهم مدن منطقة النوبة الحضارية، متجهة إلى الأقصر عاصمة مصر في العصر الفرعوني، الملقبة بمدينة الشمس، والتي كانت تعرف قديماً باسم طيبة، وتشتهر بكم الآثار الموجودة فيها، مثل معبد الكرنك ووادي الملوك ومعبد حتشبسوت، وغيرها من المعالم الأثرية التي لا يوجد لها مثيل في أي منطقة أخرى من العالم.
لا شيء يبرر الإرهاب، مهما كانت دوافعه، ومهما حاول الإرهابيون أن يجدوا لما يفعلونه تبريرا، خاصة أولئك الذين يستهدفون المدنيين في المطارات ومحطات القطارات، وغيرها من وسائل المواصلات، ممن لا يد لهم في ما يحدث في البلدان التي أتى منها الإرهابيون، هاربين من طغيان أنظمتهم كما يدعون، أو عاجزين عن التأقلم مع أنظمة تدعو إلى التسامح والتعايش بين أفراد المجتمع.
ونبذ التطرف والعنف وإقصاء الآخرين من أصحاب الأديان والمذاهب والمعتقدات الأخرى، والابتعاد عن الفكر المنغلق ذي الاتجاه الواحد الذي يفرض نمطاً معيناً في عالم أصبح متعدد الأنماط منفتحاً، يتسع للجميع ويستوعب الآخرين.
لا بد أن نعترف بأن الإرهاب أصبح مرتبطا بنا نحن العرب والمسلمين أكثر من أي أمة أو ديانة أخرى، رغم أن ديننا الحنيف ينبذ العنف، ويدعو إلى الوسطية والتسامح وتقبّل الآخر، فما الذي حدث كي نتحول من بشر مسالمين إلى إرهابيين ينظر العالم إلينا على أننا مصدر الشر، ومنبع الإرهاب، والجهة التي يأتي منها التهديد والخطر؟
إن الدعوات التي تصدرت وسائل التواصل الاجتماعي في أوروبا، داعية إلى إيقاف الإسلام، بعد إعلان تنظيم «داعش» الإرهابي تبني هجمات بروكسل، التي أسماها التنظيم «غزوة بروكسل المباركة على بلجيكا الصليبية» إنما تأتي نتيجة تراكمات خلفتها أعمال إرهابية عديدة، طالت مختلف المدن الأوربية، أقربها تفجيرات باريس التي حدثت في شهر نوفمبر من العام الماضي، وراح ضحيتها 130 قتيلا و415 جريحا من 26 جنسية، وأعلن تنظيم «داعش» الإرهابي أيضا مسؤوليته عنها.
وهي تأتي في الوقت الذي تفتح فيه دول أوروبا حدودها للاجئين الهاربين من جحيم الحروب والصراعات المشتعلة في الدول العربية، وتعمل على إيوائهم واستيعابهم، فأي خسارة يتكبدها العرب والمسلمون جراء هذه الهجمات، وأي مكاسب يحققها الإرهابيون من وراء هذه الهجمات التي تطال الأبرياء من البشر على حين غرة، وتحيل حياة أسرهم إلى جحيم، وتقيم الدنيا ولا تقعدها في وجه العرب والمسلمين؟!
أثناء جولتنا في جنوب مصر، شاهدنا من الآثار ما جعلنا ننبهر بالحضارة المصرية القديمة، ونستذكر ما يقال من أن مصر تحتوي على أكثر من ثلث آثار العالم.
وكان أكثر ما لفت نظرنا في مواقع الآثار الفرعونية التي زرنا الكثير منها، حسب ما أسعفنا الوقت، أن الحضارة الفرعونية قامت على حب الحياة، رغم أنها اهتمت بما بعدها، وركزت على بناء المقابر والمعابد، كما بدا واضحاً في الآثار التي خلفتها، لكنها لم تقم على العنف والقتل، رغم أن مصر تعرضت لغزوات كثيرة من الشرق والغرب على حد سواء.
لذلك رسم المصريون القدماء ونحتوا على جدران معابدهم ومقابرهم مظاهر الحياة ورموزها وفقاً لمعتقداتهم القديمة، ولم نر في الآثار التي تركوها صورة لإرهابي يفجر نفسه في جماعة، كما أن المسلمين عندما دخلوا مصر في القرن السابع الميلادي لم يحطموا أثراً، ولم يحرقوا معبداً ولا كنيسة، ولم يكرهوا أحداً على ترك دينه، واعتبروا حرية العقيدة أمراً مقدساً.
وخلال العصر الحديث تعرضت مصر لموجات من الإرهاب، ربما لم يتعرض لها بلد آخر في المنطقة، ومع ذلك حافظ الشعب المصري على وحدته الوطنية، بمسلميه ومسيحييه، خاصة خلال السنوات الأخيرة، وقد أكدت هذا بيانات الأزهر الشريف والكنيسة القبطية.
ولعل من أكثر المقولات التي أعجبتني، عندما تعرضت أكثر من 100 كنيسة عام 2013 للحرق والتدمير، قول البابا «تواضروس الثاني» بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية: «نتفهم ذلك، ونعتبر أن وطنا بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن»، منوها إلى أن المسيحيين عاشوا إلى جانب المسلمين 1400 سنة.
صحيح أن الإرهاب لا وطن له، لكننا يجب أن نعترف بأن الإرهاب أصبح يستوطن بلداننا ويخرج منها، وأننا أصبحنا مطاردين أينما ذهبنا، بسبب هذه الزمرة من الإرهابيين الذين ينشرون الموت في كل مكان داخل الوطن العربي وخارجه.
ولعل وصية الإرهابي إبراهيم البكري، الذي نفذ وشقيقه هجمات بروكسل الأسبوع الماضي، تلخص لنا هذه المسألة، عندما كتب في وصيته التي عثر عليها في حاسوبه الذي رماه في سلة مهملات قبل أن ينفذ العملية، عثرت عليه الشرطة في حي «شاربيك» بعد عمليات تفتيش عدة، أنه «لم يعد يعرف ماذا يفعل، لأنه مطلوب في كل مكان».
«ادخلوها بسلام آمنين» يكتبها المصريون على مداخل مدنهم وقراهم، ويتخذون منها أسماء لمحلاتهم التجارية، ويرسمونها على البواخر والقوارب التي تجري في نيلهم العظيم. وقد دخلنا مصر بسلام آمنين، وخرجنا منها بسلام آمنين، فليحفظ الله مصر وأوطاننا كلها سالمة آمنة.