استغل كثير من الصهاينة الإسرائيليين الأحداث الدامية في باريس ثم إسطنبول وبروكسل، لتجديد احتفائهم بمنظور القوة في قيام الدول وقعودها من ناحية، وفي إدارة العلاقات الدولية من ناحية أخرى. وكان هؤلاء طليعة الشامتين في أصدقائهم الأوروبيين، «الذين انصرفوا عن الاقتداء بالتجربة الإسرائيلية، فأعلوا شأن النزعات الإنسانية وحقوق الإنسان على مقتضيات الأمن ومطاردة الإرهاب».

لا يختلف عاقلان على أننا إزاء النموذج الإسرائيلي بصدد قوى مسلحة أنشأت دولة. يتحدث الصهاينة عن هذه الظاهرة بالزهو والفخار.. بينما يفترض أن يكون هذا التسلسل، الذي يعني صدارة السيف على عناصر نهوض الدول وتبلورها، مدعاة للقلق.

ذلك لأن هذا العنصر ينتمي إلى النسبي وغير الدائم ولا يشكل ضمانة لاستمرارية الوجود. لا يتسع المقام لإيراد الأمثلة الدالة على أن الكيانات التي أفرطت في الاعتماد على عامل القوة العسكرية آلت إلى الاضمحلال أو حتى إلى الأفول.

ما يشغلنا أكثر هو معاكسة البزوغ الكياني الفلسطيني للمثل الإسرائيلي إلى حد كبير. فبرغم المعوقات الجوهرية الملازمة للحالة الفلسطينية، فإنها تكاد تتبلور وتطور بذات الأسلوب الذي ارتقت به كيانات ما بعد الحقبة الاستعمارية. ولولا تفرد النمط الاستعماري الذي تسعى هذه الحالة للتحرر منه، لتطابق نشوئها وارتقائها مع معظم هذه الكيانات.

إذا ما قامت دولة فلسطينية، فلن يدعي أحد بأنها جاءت نتاجاً لغلبة شعبها بالقوة المسلحة، لكن هذه الأقوال أو الاعتقادات تبدو مستحيلة بالنسبة لإسرائيل؛ التي ينعقد الإجماع داخلها على ارتباط حياتها بالعسكرة والتجييش ولوازم القوة المسلحة قبل أي مقومات أخرى.

العسكرة والعنف في الحالة الفلسطينية ليسا أكثر من وسيلة؛ يمكن التخلي عنها إذا ما تحقق هدف الاستقلال. أما بالنسبة للحالة الصهيونية فالأمر مختلف كلياً. إذ أن قيام الدولة لم يضع حداً لا للعسكرة ولا للعنف.

بل إنه أدى إلي ازدياد الاعتماد عليهما وتمددهما، وليس ثمة ما يشير إلى تخليها عنهما بالمطلق. أكثر من هذا مدعاة للتأمل أن شطراً واسعاً من القوى الفلسطينية النشطة راهناً، بات أقرب إلى تعليق التوسل بالعنف - أو حتى المقاومة المسلحة - في سياق الوسائل النضالية على طريق الاستقلال والدولة.

وذلك في مقابل الاعتماد أكثر فأكثر على التأسيس الاجتماعي والاقتصادي والمدني، فيما يدعى بالمقاومة الشعبية، لإثبات الجدارة بأحقية الكيان الدولي. على الجانب الآخر من الصراع، لن نعثر على قوة إسرائيلية ذات مغزى تراودها مثل هذه الأفكار.

ونحسب أن من يتعاطف مع إسرائيل منزوعة السلاح والتفوق العسكري، يمكن أن يوصف هناك ويرمى باللاعقلانية والعته. ناهينا عن تحريض الإسرائيليين للآخرين، كالأوروبيين مثلاً، لأجل التحول إلى دول بوليسية. ليس من الوارد في الحال ولا في الاستقبال تحول مركز صناعة القرارات الفارقة في إسرائيل تلقائياً إلى غير المؤسسة العسكرية وتوابعها.

فالعسكرة والعنف ظاهرتان لصيقتان عضوياً بسيرورة الكيانات الاستيطانية، ولا سيما تلك التي لم يقدر لها الانتصار النهائي على المجتمعات الأصلية. والمؤكد أن هاتين الخاصتين تخصمان من الأبعاد المدنية والنواحي الحقوقية والأخلاقية التي تدعيها هذه الكيانات لنفسها. كما أنهما لابد وأن تنالا من قيم الديمقراطية وما يتصل بها من ممارسات وإجراءات.

تميز العسكر في إسرائيل الدولة يبدو كضرورة وجود وفناء، وينطلق من استشعار الخطر الدائم المرتبط بعقدة (خطيئة) النشأة الاستيطانية العدوانية الأولى. ولا ندري ما الذي سيحفز الأوروبيين على الاقتداء بالمثل الإسرائيلي رغم الفوارق الفلكية بين الجانبين لجهة النشأة وطبيعة الممارسات والتحديات.

ما نفهمه من نصائح إسرائيل المسمومة، هو السعي الخبيث إلى التعمية على هذه الفوارق، ودفع الأوروبيين وسواهم إلى اتخاذها شريكاً وخبيراً في الحرب على الإرهاب؛ وإشاحة الوجه عن كونها دولة تحتل دولة أخرى بالكامل اسمها فلسطين، وتعيث فيها إرهاباً بلا حدود.