ما من شك في أن الدولة التركية تعيش في المرحلة الراهنة بعضاً من أسوأ أيامها على الإطلاق على الصعيدين الداخلي والإقليمي، خلافاً لما كانت الحال عليه في العشرية الأولى من القرن الجاري عندما ولدت تركيا المعاصرة على أسس سياسية مختلفة أرسى مبادئها «البروفيسور» أحمد داود أوغلو - رئيس الوزراء الحالي - اعتماداً على القوى الناعمة التركية التي صنعت أنموذجاً استقطب إعجاب الكثيرين إلى حد أن استيراده والسير على خطاه كان تطلعاً من دول عديدة في المنطقة.
إلا أنه من الواضح أن هذه الأيام قد ولت إلى حد بعيد، وباتت تركيا محاصرة بسلاسل من التفجيرات الإرهابية داخلياً، وموجات اللاجئين التي لا تنتهي، وسط رفض شبه تام من جانب الشركاء الأوروبيين تقديم مساعدات حقيقية لمواجهة هذه المشكلة الإنسانية العويصة، أضف إلى ذلك الحرب الأهلية السورية التي جرت على أنقرة الكثير من المتاعب لتشعبها وتعقيداتها التي لا تنتهي، وليست خافية على أحد أبعاد الأزمات الروسية – التركية المتصاعدة وقد أخذت شكل المواجهات العسكرية «السريعة» في بعض مراحلها.
علاوة على ذلك تتفاقم المشاكل السياسية الكبرى التي يتعرض لها النظام التركي بفشله في الفوز بأي وعود قوية لدخول الاتحاد الأوروبي، تلك الأزمة النفسية المزمنة للأتراك، وسقوط أنقرة فريسة للانتقادات الدولية بسبب سجل حقوق الإنسان والممارسات ضد الإعلام، وفرض الوصاية الحكومية على صحف معارضة، ووقف خدمات الإنترنت في لحظات حرجة، وتلك تطورات تعكس بالنسبة للبعض هشاشة موقف الدولة التركية.
لكن هذه المشاكل – رغم خطورتها – إلا أنها لا تمثل وحدها التحدي الأكبر لأنقرة في الوقت الراهن، وإنما التحدي الأكبر هو ذلك الذي تفجر عشية جولة المفاوضات السورية في جنيف، بإعلان أكراد الشمال السوري عن تبنيهم خيار «الفيدرالية» وإقراره بالفعل، ولهذه الخطوة خطورتها الجسيمة، لأنها جاءت وسط مؤشرات مبكرة من أطراف عديدة مثل روسيا والمبعوث الدولي دي ميستورا بإمكانية بحث إقامة فيدرالية في سوريا كمخرج من الأزمة الراهنة، ما يفتح الباب واسعاً أمام مطالبة أقليات عرقية ودينية بإقامة كيانات خاصة بهم، ما يعني تفتت الدولة السورية.

ليس هذا فحسب، ولكن إقرار هذا التصور سوف يفتح بوابة صراعات قد لا تعرف نهاية، مع انفجار القنبلة الكردية على وجه الخصوص في كل من تركيا وإيران والعراق لتحقيق الحلم القديم بإقامة «كردستان» أو الدولة الكردية المنشودة منذ زمن بعيد، ما أثار موجة رفض وانتقادات عارمة من جانب أطراف عديدة على رأسها تركيا وإيران، باعتبارها خطوة ستقود إلى حملات لتغيير الحدود وصراعات ضارية. وفي الوقت ذاته، هناك من اعتبر الخطوة مجرد «بالون اختبار» أطلقته روسيا على وجه الخصوص لمعاقبة تركيا وتحجيمها، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الضغوط على أنقرة لإجبارها على القبول بمواقف طالما رفضتها فيما يتعلق بالصراع السوري على وجه الخصوص.
هناك من يرى أن الأكراد في سوريا استغلوا حصولهم على إسناد روسي – أميركي وكذلك تحول أنظار العالم إلى جنيف، حيث جولة المفاوضات المصيرية بين النظام والمعارضة ليعلنوا مشروع الإقليم الفيدرالي شمال سوريا، الذي يرى كثر فيه خطراً جدياً على وحدة سوريا، على اعتبار أنه قد يكون خطوة أولى نحو التقسيم على غرار ما حصل في شمال العراق مطلع تسعينات القرن الماضي، عندما استفاد الأكراد القوميون مما أسموه «المظلومية الكردية» في عهد صدام حسين، ومن ظروف دولية لما بعد حرب الخليج الأولى والثانية، ليضعوا اللبنة الأولى لانفصالهم عن العراق والذي بات اليوم أقرب من أي يوم مضى.
وقد أقر المشاركون في الاجتماع المنعقد في بلدة رميلان الحدودية في ريف الحسكة الشمالي الشرقي، وفي مقدمتهم حزب «الاتحاد الديمقراطي» (الجناح السوري للعمال الكردستاني) «وثيقة النظام الاتحادي الديمقراطي لإقليم شمال سوريا»، بعد إجراء التعديلات على مسودة الوثيقة التي اقترحت من قبل المجتمعين، وعرضت المسودة للتصويت عليها في الاجتماع وتم إقرار النظام الفيدرالي الكردي. وحسب التقارير الواردة من البلدة، يضم النظام الفيدرالي الجديد مقاطعة عين العرب في ريف حلب الغربي وعفرين في ريف حلب الشمالي ومقاطعة الجزيرة في منطقة الحسكة، إضافة إلى المناطق التي سيطرت عليها «قوات سوريا الديمقراطية» أخيراً في محافظتي الحسكة وحلب.
ولم تقتصر المسودة التي قدمها «الاتحاد الديمقراطي» في سوريا على طرح «الكردستاني» في تركيا، بل احتوت على السقف الأعلى لطموحات الأخير بما في ذلك السماح للإقليم بتكوين علاقات دولية وخارجية، ويضع كثيرون الحديث عن الإقليم الكردي، في خانة المزايدات القومية بين «الاتحاد الديمقراطي» و«المجلس الوطني الكردي» التابع لأربيل والمنضوي في إطار«الائتلاف السوري المعارض».
ويرى «المجلس الكردي» النموذج الكردي في العراق، على الرغم من اختلاف الظروف التي أدت إليه مثلاً يحتذى به وصولاً إلى مرحلة لاحقة للانفصال عن سوريا والاتحاد مع إقليم كردستان لتكوين دولة كردستان، ويبقى الصراع على القاعدة الشعبية الكردية القومية في سوريا بين «الاتحاد الديمقراطي» و«المجلس الوطني الكردي»، وهي قاعدة شعبية تميل بغالبيتها نحو الفيدرالية وحلم الدولة القومية الكردية.