يعتقد شلومو بن عامي، وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، أن دولته تحظى راهناً بنفوذ عالمي غير مسبوق في تاريخها؛ وأن احتلالها للأراضي العربية ما عاد يهدد مكانتها، وهو يدلل على تصوره بازدياد حجم التصدير إلى عمالقة القارة الآسيوية فقط، الصين والهند واليابان، بمعدل ثلاث مرات خلال السنوات العشر الأخيرة، «.. وذلك دون أن تشترط هذه القوى التقدم في مسيرة السلام مع الفلسطينيين..».
وطبقاً لهذا الرأي، كما أوردته يديعوت أحرونوت في 14 مارس الجاري، نفهم أن قوى دولية مؤثرة في ملف الصراع الإسرائيلي العربي صارت تخطب ود تل أبيب: فروسيا بوتين تنسق لخطواتها في سوريا، وتركيا تتحرق شوقاً لحلفاء في المنطقة وبحاجة للغاز الإسرائيلي، واليونان والباكستان ودول شرق أوسطية أخرى لها صلات حميمة بإسرائيل، وكذلك الحال بالنسبة للحكومات اليمينية في شرق أوروبا ووسطها.
تأسياً بهذا المنظور، تصح الإشارة أيضاً إلى معطيات غفل عنها بن عامي أو أغفلها، ربما لاعتقاده أنها من المسلمات، كعلاقة التحالف والشراكة العضوية بين إسرائيل والولايات المتحدة، والمحاولة الإسرائيلية الحثيثة الآن لتدفئة الوشائج مع الاتحاد الأوروبي، هذا علاوة على أن إسرائيل لا تشكو من أي توترات في التواصل متعدد المجالات مع معظم الأفارقة.
هذا المنطق المتفائل إزاء وضعية إسرائيل في السياق الدولي يبدو مثيراً للتأمل وربما للتحفظ والاعتراض، فهذا السياق لا يخلو من حقائق ومعطيات أخرى معاكسة أو مغايرة، ومنها أن إسرائيل ذاتها، التي يمتدح بعض الإسرائيليين تمدد نفوذها إقليمياً ودولياً، تندرج اليوم وفقاً لاستطلاعات الرأي المعتبرة ضمن الدول الأسوأ تأثيراً والأكثر خطراً على السلم والأمن العالميين.
وهي تتعرض لحملة مقاطعة عامة في مشارق الدنيا ومغاربها، على الصعد التجارية والمالية والأكاديمية العلمية والثقافية، تتجلى نجاحاتها في ردود أفعال المسؤولين الإسرائيليين عليها.
يصنف الإسرائيليون هذه الحملة ضمن ما يعتبرونها أخطاراً استراتيجية على دولتهم، وبهذا الخصوص يقول رئيس وزرائهم بنيامين نتانياهو غاضباً «.. إنهم يقاطعوننا بأكثر مما يقاطعون داعش..».
واستشعاراً لهذا الخطر الماثل، الذي تجمع على إلحاحه كل القوى السياسية الإسرائيلية في الحكم والمعارضة، جرى تجنيد فريق من المحامين الدوليين لمواجهته والاشتباك معه؛ لاسيما في أحشاء القارة الأوروبية.
للوهلة الأولى يبدو المشهد العربي (الشرق أوسطي!)، المفعم بالمداخلات الخارجية والمنازعات الداخلية الباردة والساخنة؛ الظاهرة والباطنة، مواتياً للحالة الإسرائيلية، وعطفاً على هذه الأجواء، يمني بعض الاستراتيجيين الصهاينة الإسرائيليين أنفسهم، بقرب إنجاز أحد ثوابت أهدافهم التاريخية، وهو العمل على توشية محيط إسرائيل الإقليمي بكيانات منمنمة؛ قائمة على التمايز والتنازع بين الملل والنحل والطوائف والأعراق لتمسي هي، على صغرها وضيقها، مثل عملاق بين أقزام.
في غمرة هذه النشوة، يرى هؤلاء الغابة بأكثر ما يتبصرون في أشجارها، إنهم لا يدركون مثلاً أن التفاعلات من حولهم، لم تصرف الفلسطينيين تحت الاحتلال عن ديمومة الكفاح الوطني لانتزاع حقهم في تقرير المصير والدولة المستقلة، وأن هذا الكفاح يحقق حضوراً دولياً، حقوقياً وسياسياً ملحوظاً.
أكثر من هذا مدعاة للتدبر، أن إسرائيل بدورها ليست بمفازة من احتمال انحدارها نحو الأسوأ، فقوامها الاجتماعي الداخلي مكون من جماعات مستجلبة من مجتمعات متباينة التواريخ والأنماط الاقتصادية والثقافية والأطوار الحضارية، وسيكون هذا الانحدار حتمياً، هبوطاً إلى درك دولة الأبارتيد، إذا ما استمرت النخب الصهيونية المسيطرة في إنكار حقوق مواطنيها من الفلسطينيين، عرب 48.
ثم أن بن عامي ومدرسة المتفائلين معه، يتجاهلون أن معظم، حتى لا نقل كل، القوى المتنازعة في الرحاب الإقليمية، تتلاقى شعبياً عند نقطة العداء لإسرائيل؛ الدخيلة عليهم أجمعين، وأن منازعاتهم البينية قد لا تصرفهم طويلاً عن الصراع الاجتماعي الممتد والدائم، الذي يصف علاقتهم بكيان استزرع عنوة في إقليمهم وأدمى حياتهم. الشاهد عموماً أنه قد يتعين على الإسرائيليين عدم التحليق بعيداً في تفائلهم إزاء ما يخفيه المستقبل.