كان كاتبٌ كبير يراقب طفلاً على الشاطئ وهو يرفع نجم البحر ويعيده للمياه وكلما قذفه الموج للشاطئ أعاده للمياه من جديد، فاقترب منه الكاتب وقال وهو يشير إلى الشاطئ المليء بالآلاف من نجوم البحر التي تنتظر الهلاك المحتم: ألا ترى يا صغيري أنّ عملك المتعب هذا لن يُغيّر من الحال شيئاً؟ فرد الصغير: ولكنّه سيغيّر حياة نجم البحر هذا بالتأكيد!

إنّ عمل الخير مهما صَغُر مطلوب دون اختصاص بعرقٍ عن آخر أو مذهب عن سواه، فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم بأنّه "في كل كبدٍ رطبةٍ أجر" لتبيان أنّ الخير مطلوبٌ لذاته وأنّ الأجر عليه متحقق ما كانت النيّة سليمة، وكلما كان فعله لوجه الله ولنشر الخير وحده كلما كان تأثر المحيط به أكبر ونتاجه أكثر ظهوراً ونفعاً.

لحفظ هذا السلوك الراقي وضمان بقائه لا بد أن يكون هناك عرفانٌ وتقديرٌ لصاحبه، وكلما كان نطاق ذلك السلوك أكبر كلما كانت الحاجة لشكره أوجب حتى لو لم يكن صاحبه باحثاً عن ظهور أو ناشداً لشيء في المقابل.

وكما يذكر سيسيرو الفيلسوف الروماني القديم: "شكر الجميل ليس هو أفضل الفضائل بل هو مصدرها الذي تنبع منه"، فكلما رأى الناس أن الجميل يُشكَر والمعروف يُذْكَر كلما تشجعوا لعمله على نطاق أوسع من ذي قبل، فالخير بالخير يبقى والمعروف بالتقدير يدوم، والمولى سبحانه يذكر هذه الحقيقة بقوله: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان".

قبل أيام كرّمت أبوظبي كعادتها أصحاب الأيادي البيضاء في المجتمع من خلال "جائزة أبوظبي" والذين يتم اختيارهم من خلال ترشيح كافة فئات المجتمع المحلي، التكريم لمن يُعطي في صمت و دون انتظار مقابل من أصحاب المبادرات الإيجابية والجهود المثمّنة والتي يكون عائدها واضحاً في واقع المدينة وحياة قاطنيها.

ولئن كان نصيبٌ كبير من التكريم لأفراد ما زالوا ينثرون الخير بعملهم وإخلاصهم وتفانيهم وسلامة نواياهم إلّا أنّ الشكر والعرفان طال الرواد الأوائل من أولئك الذين شاطروا آباءنا الجهد والنَصَب وقسوة البدايات وصبروا على صعوبة الظروف حتى اشتد ساق شجرة الوطن وأينعت وأثمرت وقَصَدها من الناس أُمَمٌ لا تُعَد ولا تحصى بعد ذلك!

كانت أيقونة الحفل كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان التي اختصرت العديد من الرسائل المهمة والتي توضح الهدف من هذا التكريم والأسباب التي جعلت هؤلاء الأشخاص جديرين بأن يُشار إليهم ببنان العرفان وما يمثلونه فعلاً في عُرف البلد وما يشكلونه لمستقبله.

فقال حفظه الله: "إن سبب اجتماعنا اليوم هو حاجتنا للقدوة الحسنة، هذه القدوة الحسنة نحاول أن نشجع أنفسنا وعيالنا وأهلنا أن يقتدوا بها"، فاللقاء أُريد له أن يكون كبيراً لتكريم أشخاصٍ يمثلون قدوات حسنة ينظر لها لتكون أسوةً جدير بالاقتفاء من أبناء الوطن وأجياله القادمة حتى تتأصل الخيرية أكثر لمجتمعٍ ليس متناغماً فقط بل يرفع قيمة أصحاب الأيادي البيضاء بما يستحقونه من تكريم ومن اقتفاء أثر.

لم يفت على "بو خالد" الإشارة إلى أن بعض المكرمين هم من الرواد الذين عاصروا المؤسس الشيخ زايد، رحمه الله تعالى، وهم من جيل كما وصفه سموّه وأجاد في الوصف: "الجيل السابق الذي بنى هذا البلد كان قليل التعليم قليل الخبرة.

لكنّه يمتلك ميزة معينة يجب أن نذكرها"، توقف قليلاً حتى ينتبه الجميع لتلك الخصلة التي جعلت من ذلك الجيل جيلاً مختلفاً: "كان صادقاً ومخلصاً للأرض وأهل الأرض"، فالصدق في النيّة والإخلاص في العطاء هي تلك الميزة الفارقة، ليس للأرض فقط بل ولأهلها.

وتعمّد سموّه أن يذكر الأرض وأهلها لأن واقع السنوات الماضية أرتنا تيارات مُصابة بـ"الحَوَل"، فتتحدث عن حب أرض لكنها لا تُلقي لأهل تلك الأرض بالاً ما لم يكونوا من نفس التيار وذات الزمرة، فكان إقران الاثنين مقصوداً من سموّه ليؤكد أنّ من أحب الشجرة كان لزاماً أن يُحب أغصانها!

ذلك التلازم بين الأرض وأهلها أوصله سموّه لبُعدٍ آخر قد يغيب على البعض وأعاد توضيح إطاره بطريقةٍ لا لبس فيها لضمان التناغم والتفاعل بين مكونات النسيج المجتمعي بقوله :"اليوم كرمنا مجموعة من خيرة أهل البلد والقدوة الحسنة في مجتمع دولة الإمارات".

وأضاف وهنا البعد الذي أراد الوصول له: "خيرة أهل البلد ليسوا بالضرورة أن يكونوا إماراتيين، خيرة أهل البلد من يملكون أطباع ومعاني أبينا زايد مثل الذين يقفون في المنصة اليوم"، فمن أحب الأرض وأهلها وأخلص لها وبذل ما يستطيع من أجل نشر الخير والعلم النافع والجهد المقدّر كان دون مواربة من "خيرة أهل البلد" الذين نفخر بهم ونكرمهم على رؤوس الأشهاد.

ثم عرج سموّه على نقطة جوهرية حتى لا يفهم البعض أن التكريم هذا كان لفترةٍ مضت، بل أراد إيصال أن مثل هذا الاحتفاء بهؤلاء "القدوات" هو وسيلة لتدعيم ركائز إمارات المستقبل بتعزيز خصال الإخلاص والصدق والعمل الدؤوب فيها يمكن رؤية النور في آخر النفق.

ولعلمه بالأجواء المضطربة في منطقة الشرق الأوسط وما قد تلقيه في النفوس من قلق كان ناشراً للإيجابية وهو يقول: "لابد أن نكون دائماً متفائلين بغض النظر عن التحديات التي نراها في منطقة الشرق الأوسط، فرايتنا مثلما استلمناها من الجيل السابق سنسلمها للجيل القادم و وطننا بخير وعز ورفعة".

إنّ خيراً تحتفي به قيادة بلدٍ لن يموت، ورايةٌ تُقدّر خيرة أبنائها لن ترتعش، وأرضٌ تضم من أخلص لها لن تُمَس بها حبة رمل، وجيلٌ ورث الوطن عزيزاً لن يورثه لأبنائه إلا بذات العزة، ووطن ينمو به الخير لن تخذله الأقدار، هي دعوة لعمل الخير لنا جميعاً حتى لو كان كصنيع الطفل على الشاطئ!