الانفصاليون في سوريا

ت + ت - الحجم الطبيعي

كلما تقدمت «قوات حماية الشعب» لتطهير منطقة من المناطق من الشعب الذي تحميه، أدقق في الصور علني أجد العلم الذي يذكر بانتمائها الوطني إلى سوريا، أو أقرأ كلمة واحدة تؤكد أنها قوات سورية وديمقراطية تدافع عن قضية مشتركة هي حرية السوريين، جميع السوريين، بعربهم وكردهم، وكلما دخلت هذه القوات إلى مدينة أو قرية انتظر الاسم الكردي الذي ستطلقه عليهما، ويكون غالبا ترجمة لاسمها العربي، الذي تلغيه وتمحوه من كل مكان وتجعل من الخيانة ذكره على أي لسان.

مع ذلك، يدعي صالح مسلم، زعيم هذه القوات، أنه لا يحمل مشروعاً انفصالياً، ولا يريد غير إدارة ذاتية موسعة للكرد والعرب والسريان والآشوريين والتركمان والشيشان، الخ، الذين ينضوون في «قوات سورية الديمقراطية»، التي تحمي الشعب حتى إن كانت تمارس في مناطق عربية كثيرة، ولاعتبارات أمنية سياسة تهجيرية واقتلاعية، تستهدف العرب كداعشيين، والكرد الذين لا ينتمون إلى هذه القوات أو يعارضون تجنيد أولادهم وبناتهم في صفوفها أو يعترضون على مشروعها غير الوطني.

بهذه السياسة، التي محت كل ما هو عربي في المناطق التي قررت ضمها إلى ما تسميه «منطقة الحكم الذاتي» في «غرب كردستان»، تبدو «قوات الحماية» وكأنها تنتقم ليس فقط من الناس، بل كذلك من التاريخ، وأنها تسعى إلى تأسيس تاريخ جديد ومختلف في ما تسميه منذ قرابة عامين «روج آفا» أي منطقة الجزيرة السورية، ومنطقة تل ابيض، وهما منطقتان تسكنهما ريفاً ومدينة أغلبية عربية، تتعامل معها جماعة صالح مسلم بمسمياتها المختلفة من خلال محو هويتها الحقيقية، العربية والكردية الآشورية والسريانية والتركمانية.. الخ وتهجير وتجريف قراها، وتعمل عن سابق عمد وتصميم للقضاء على مقومات التعايش الأخوي والوطني بين هذه الجماعات، بالمطالبة بحقوق قومية لها، وشن الحرب ضد العرب بتهمة الداعشية ومحاربة الإرهاب، تهمة لم تعد توفر حتى مقاتليهم الذين شاركوا «قوات الحماية» معاركها ضد «داعش» وقدموا الشهداء في عين العرب ومناطقها، وفي الشدادي والحسكة وغيرهما، ثم اتهمهم جماعات ال بي كا كا السورية المسماة الباياده بالداعشية وطوقتهم، بالتعاون مع «داعش»، وقطع عنهم الماء والغذاء والدواء، مع أن القاصي والداني يعلم أنهم من التيار الديمقراطي المدني السوري، وان ما وقع لهم ليس بسبب داعشيتهم بل لأنهم رفضوا اجراءات اتخذتها القوات ضد مناطق عربية اعترضوا على تهجير سكانها، قاتل كثيرون من أبنائها إلى ما قبل أسابيع إلى جانب الكرد، على أمل أن يقاتل هؤلاء معهم لتحرير الرقة، محافظتهم، من«داعش» وإرهابها الذي استهدفهم.

ليس من المعقول أن لا يلاحظ جماعة مسلم أن الاسرائيليين يضيفون اسما عبريا إلى اسم المناطق المحتلة العربية، ومن غير المقبول أن تفوق عنصرية تنظيم يسمي نفسه «حزب المجتمع الديمقراطي» عنصرية الصهاينة، الذين يدعون أن العرب اغتصبوا وطنهم، على غرار ما يقوله مسلم وجماعته، لكنهم يجدون مكانا لأسماء الأماكن العربية على يافطات الطرق وفي أسماء المدن، على عكس ما يفعله «حزب المجتمع الديمقراطي»، الذي لا يعرف احد بعد كيف سيكون المجتمع الذي يعدنا بإقامته ديمقراطياً، إذا كان مجتمعا عنصريا يصنف الناس على أساس وحيد هو انتماؤهم القومي، ويقرر مواقفه حيالهم في ضوء الأحكام المسبقة التي يمليها وسط صراعات وتوترات تحمل قدراً عظيماً من العداء لمن لا ينتمون إلى «قوات الحماية» من القوم الكردي ذاته، ناهيك عن المنتسبين إلى اتنيات أخرى، وخاصة منهم العرب: الداعشيون بالولادة، الذين تجب مراقبتهم ومن الضروري جدا الحذر منهم، حتى إن كانوا من المنخرطين إلى ما قبل أيام في «قوات الحماية» كجبهة «ثوار الرقة».

يتصور صالح مسلم وجماعته أن باستطاعتهم استغفال الشعب السوري وتمرير مشروع انفصالي عنصري معاد له، بحجة تجعل منهم الجهة السياسية الوحيدة في سوريا التي تناضل لاستكمال ثورة الحرية والديمقراطية، بينما تغرق بقية السوريين في الفوضى والأصولية الداعشية والإرهاب.

هل تتفق الديمقراطية مع سياسات عنصرية وإقصائية تعتمد أساساً لدولة تحمل اسمها؟. وهل يمكن أن تقوم حقا ديمقراطية، حيث لا تكون المواطنة والمساواة في الحقوق ركيزة النظام العام، وضابط العلاقات بين الجماعة الوطنية الحاملة لها والقائمة على أمرها؟. وهل تمسح الديمقراطية أسماء وتواريخ من تدعي ضمان حقوقهم ومصالحهم واحترام تاريخهم وثقافتهم، أم تحافظ عليها في إطار وطني جامع، تحترم علمه وترفعه ولمرة واحدة، بالخطأ أو ذراً للرماد في العيون؟

طباعة Email