أن تفوز ابنة مخيم بلقب أفضل معلمة في العالم، فهذا يعني أن الشعب الفلسطيني حي لا يموت ولا تموت قضيته.
وأن يرعى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفل هذا الإنجاز العربي ويتوّجه بتسليم الجائزة للفائزة، فهذا يؤكد مدى عروبة الرجل وانفتاح فكره على كل ما هو مفيد وجديد، لكأنه أخذ على عاتقه التأكيد للعالم أن الإنسان العربي مبدع وخلاق لا كما يحلو للبعض تصويره على أنه ابن صحراء وسماء وما بينهما ما هو إلا راعي أبل يسعى وراء الماء والكلأ.
وقد جعل محمد بن راشد من دبي نجمة على الأرض، أحضر إليها حضارة العالم ضمن رؤية عصرية منفتحة وتخطيط سليم لمرحلة ما بعد النفط، ما جعل من دبي سرة الأرض التي تربط قاراتها الخمس ومن مطارها محطة دولية، ومن أرضها ورشة عالمية لكل من يريد الاستثمار والتجارة والبناء ودخول عصر ما بعد القرن الحادي والعشرين.
كعرب، شعرنا بالزهو لفوز حنان الحروب باللقب، وزاد زهونا أن فارساً عربياً سباقاً للعلم هو من يسلمها راية الفوز في سباق الإنسان في مضمار التعلم والتعليم.
في زقاق مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين قرب الخليل ولدت المعلمة حنان الحروب (43 عاماً) في جو من الحرمان والمعاناة..
كما كل أبناء اللاجئين الذين هجّرهم الاحتلال الإسرائيلي العام 1948 من يافا وحيفا وعكا واللد والرملة قبل أن تنتقل للعيش بمدينة رام الله، لتجعل من تجربتها وإصرارها على قهر الظروف التي مرت بها حكاية تحدٍ وإصرار على الحياة ولتثبت للعالم أن بالإرادة ينتصر المظلوم على الظالم والضحية على الجلاد ويعود «الأمل» المسلوب لوجوه أطفال ولدوا وكبروا في قيد وتعسف وقمع الاحتلال.
وقد عانيت شخصياً باعتباري ولدت في مخيم قرب نابلس بعد النكبة بسنتين، ماذا يعني أن تكون طفلاً ولا ترى أمامك وحولك سوى أزقة معتمة بلا كهرباء وبيوت من الصفيح تطورت إلى بيوت من الطين ثم الطوب، أن تكره الغروب في الشتاء لأن البيت الذي هو غرفة واحدة من خشب والشباك من خشب والبرد يكسر المسمار، كما كانت تقول جدتي، وحين تغلق الباب والشباك لتهرب من البرد تقع فريسة عتمة «الضونمرة 4» أبو فتيلة وكاز.
أن تكون ابن مخيم يعني أن يكون فطورك الزعتر والزيت، إن توفر، أو الخبز الحاف والشاي، أن يكون «كرت المؤن» الذي تتصدق به وكالة غوث اللاجئين (الأونروا) مصدر الرزق الأساسي، أن تكون ملابس العيد من «البالة»، عليك أن تجد وتجتهد، تتعلم وتعلم، تتكيف مع الظروف القاسية وأن تؤمن أن أفضل وسيلة للتغلب على الوجع هي أن تعتاد عليه.
تلك هي الظروف التي عاشت فيها «أفضل معلمة في العالم» حنان الحروب المعلمة بمدرسة «سميحة خليل» الحكومية بمدينة رام الله..
والتي تمكنت أن تصل إلى المرحلة ما قبل النهائية لتكون واحدة من بين أفضل 10 مدرسين عالمياً ضمن الترشيحات لجائزة أفضل معلم بالعالم ضمن مسابقة (غلوبال تيتشر برايز) في بريطانيا التي تبلغ قيمتها مليون دولار أميركي. بدايتها مع التحدي كانت كونها لاجئة في مخيم الهيشة ثم مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر 2000..
حيث كانت حنان على موعد مع حادث إصابة زوجها برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي أمام أعين أطفالها، فيما أعقب الجنود جريمتهم بالابتسامة، لتكون من هنا نقطة «الانطلاق بحثاً عن الوسائل والأساليب التي يمكن من خلالها أن تعيد البسمة لأطفالها بعدما أصبحوا منعزلين عن العالم»، كما قالت في تصريحات صحافية.
تقول حنان: «الحادثة التي تعرض لها أطفالي، ورغم أنني لم أكن قد التحقت بعد بالجامعة للدراسة، دفعتني إلى تكريس جهدي مستقبلاً لأمنح الأطفال ما حرم منه أطفالي من عناية ورعاية»..
فما كان منها إلا أن التحقت بالجامعة مرة أخرى بعدما تركتها لسنوات عدة نتيجة ظروفها الأسرية، ولتعيد النظر في تخصصها الذي كانت تحب وهو دراسة الأحياء، لتلتحق ببرنامج تدريس «التربية الابتدائية» الذي سيقربها أكثر من الأطفال. وفي محاولة لتحقيق توازن ما بين واجبات البيت..
والدراسة الجامعية، كان التحدي الثاني، إلا أن وقوف زوجها بجانبها ودعمه لها كان له الدور الكبير في اجتياز هذه المرحلة والتخرج من الجامعة. وفي أعقاب تعيينها مدرسة، قررت تدرّيس طلاب الصّف الثاني الأساسي، لإدراكها كما تقول أن الأطفال «بهذا العمر أكثر حاجة إلى من يساندهم ويتفهم مشاعرهم وحالتهم النفسية»، وقد نجحت في الاقتراب منهم كثيراً والنزول إلى مستواهم وتفهم حاجتهم ورغبتهم.
ولتحقيق هدفها في تعديل سلوكيات الأطفال التي تنتج عن تعرضهم للعنف بشكل مباشر أو غير مباشر من ممارسات الاحتلال، بدأت بوضع أساليب من خلال أدوات أوجدتها داخل المدرسة وبشكل خاص الصفوف التي تشرف على تعليمها، حيث تسعى لتوفير الأمان والثقة التي حرم منها الطفل بهدف المساعدة في تحقيقها على تغيير سلوكيات من خلال إيجاد بيئة آمنة تساعدها في ذلك.
تلكم هي حكاية التحدي، تحدي الاحتلال والفقر والعنف، مواجهة الصعوبات بإرادة أقوى منها، بناء الثقة بالنفس وقهر المستحيل. تلكم هي رؤية محمد بن راشد التي جعلت من دبي ذاك الحلم الواقعي والخيال الذي أصبح واقعا جميلاً.