مناسبتان مهمتان تتأهب الولايات المتحدة، ومعها العالم بمختلف أركانه، لمتابعتهما الأسبوع المقبل، وتحديداً يومي الحادي والعشرين والثاني والعشرين من مارس الجاري، هي حرب داخلية من نوع خاص، قد تبدو للبعض معركة تقنية حول «جهاز محمول»، ولكنها في الواقع أعمق من ذلك بكثير، وأشد تعقيداً، لما لها من تداعيات خطيرة على الحياة الشخصية للأفراد.
لذلك، تخطط شركة «أبل»، الأكثر شهرة في عالم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لجذب أنظار وسائل الإعلام والعالم أجمع إليها قبل يوم واحد من المواجهة مع مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف. بي.آي» في المحكمة، على خلفية النزاع القائم بينهما حول فك «شفرة» هاتف آيفون تابع لأحد الإرهابيين.
سيتم ذلك عن طريق عقد مؤتمرها الخاص، بالكشف عن أحدث الأجهزة الذكية يوم 21 مارس، ويوم المحاكمة هو 22 مارس، في مؤتمر أبل، من المقرر أن تكشف أبل عن منتجات جديدة في أول عرض كبير لها هذا العام، وعلى الرغم من أنه لا يوجد معلومات مؤكدة، إلا أنه من المتوقع الكشف عن هاتف ذكي بحجم صغير.
في الوقت نفسه، لن تترك الشركة هذه الفرصة دون أن تعلق على الاتهامات التي تواجهها هذه الفترة، أو إلقاء خطاب عاطفي للمستخدمين، فمن المقرر أن تواجه أبل مكتب التحقيقات الفيدرالي في المحكمة في اليوم التالي، وقال الخبراء إن الإصرار على عقد المؤتمر في هذا الوقت بالتحديد، يكشف أن الشركة تسعى لجذب الاهتمام والدعم قبل المواجهة.
المشهد الملتهب، اكتسب أهمية من نوع خاص، بعد دخول الرئيس الأميركي على خط المواجهة، قال باراك أوباما إنه لا يستطيع التعليق على القضية القانونية التي يحاول فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي، إجبار شركة أبل على السماح بفك شفرة هاتف آيفون مرتبط بحادثة سان بيرناردينو (كاليفورنيا)، لأن الأمر في يد القضاء الأميركي، لكنه أوضح أنه على الرغم من التزامه بحماية خصوصية الأميركيين والحريات المدنية، إلا أنه يجب وجود توازن في هذا الأمر، للسماح لتدخل الحكومة إذا لزم الأمر.
هذه التصريحات زادت من حدة الصراع بين أبل ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وجعلت هناك شكوكاً واسعة حول إصرار الحكومة الأميركية على التجسس، خاصة أنه قال إنه بغض النظر عن قضية مكتب التحقيقات الفيدرالي وأبل، فالحكومة في طريقها لاتخاذ بعض القرارات حول كيفية الموازنة بين الخصوصية والأمن، ورفضت أبل التعليق على تصريحات أوباما بأي شكل.
لا شك أنها معركة تكسير عظام انطلقت في الولايات المتحدة قبل أسابيع قليلة، على درجة كبيرة من الأهمية، تستحق المتابعة والتأمل، ليس لطابعها المثير والمشوق فحسب، ولكن للآثار المهمة التي قد تسفر عنها، سواء على الأراضي الأميركية أو خارجها، هذه المعركة تتداخل فيها بشدة عوامل التكنولوجيا والمعلوماتية ومكافحة الإرهاب، والخصوصية الشخصية.
هي في حد ذاتها حلقة جديدة من حلقات الصراع الشرس بين حماية الشؤون الخاصة للأفراد، والرقابة على الفضاء الإلكتروني، والتي تزايدت بمعدلات سريعة ومطردة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، على مصالح حيوية أميركية في واشنطن ونيويورك.
الواقع أن لا جديد في ذلك بالكلية، فالدولة التي تجسست على هواتف وأجهزة حاسوب قادة وزعماء دول متعددة من العالم، فيما عرف قبل أشهر بـ «فضيحة سنودن»، ليس غريباً عليها الآن، أن تلجأ إلى إجراءات إضافية لتوسيع دائرة المراقبة والاشتباه.
الصراع الدائر بين الطرفين جذب أنظار العالم أجمع، وهناك شركات كبرى أعلنت تضامنها مع أبل، مثل مايكروسوفت، وأمازون، وغوغل، وفيس بوك، وعدد من الشركات التكنولوجية الأخرى، التي ستقدم رسائل إلى المحكمة تفيد دعمها لأبل.
واستمراراً للصراع، شن مدير أبل «تيم كوك»، خلال مقابلة أجراها مع شبكة «إيه بي سي»، هجوماً على «التحقيقات الفيدرالي»، مؤكداً أنه منذ بداية الأزمة، تعاملت الحكومة الأميركية بشكل غير لائق، حيث علمت الشركة بهذا القرار الخاص بإجبار أبل على فتح الهاتف من خلال وسائل الإعلام، وهذه ليست الطريقة التي يجب التعامل بها في مثل هذه القضية الحساسة.
في المذكرة القانونية التي قدمتها، قالت أبل إنها ستواصل بقوة جهودها، لكي تقوم بإنفاذ القانون الخاص بالدعم لمكافحة الإرهاب، ولكنها لن توافق على أمر غير مسبوق، يضع الحقوق الدستورية في خطر.. فهل تخرج شركات تكنولوجيا المعلومات منتصرة في هذا الصراع، أم أن الضغوط الأمنية العنيفة، ستفرض واقعاً مغايراً، حتى ولو على حساب الحياة الخاصة والحقوق الدستورية للأفراد؟.