كل هذا الكلام عن تكافؤ الفرص!

قال لي أحد القراء، تعليقاً على مقالي الأخير، والذي يحمل عنوان «كل هذا الكلام عن المساواة»، لنفرض أن ما نقوله عن مبدأ المساواة صحيح، فماذا عن تكافؤ الفرص؟ هل هو أيضاً مستحيل التحقيق؟.

كنت قد ذهبت في ذلك المقال إلى أن هدف تحقيق المساواة بين البشر، الذي تعلقت به أفئدتنا لعدة قرون، ربما كان مستحيل التحقيق، لتعارضه مع نوازع أساسية في الطبيعة البشرية، وهذا هو ما يفسر فشل تجربة بعد أخرى من التجارب التي رفعت شعار المساواة، ثم تخلت عنه، كالثورة الفرنسية والثورة الروسية.

بل أثرت في ذلك المقال بعض الشك فيما إذا كان تحقيق المساواة الكامل بين الناس، بفرض أنه ممكن، هو دائماً أمر مرغوب فيه، إذ ربما كان له من الأضرار ما يفوق منافعه.

لنفرض أن كل هذا صحيح، فماذا عن الهدف الأكثر تواضعاً، والذي تعلقت به أيضاً أفئدتنا منذ زمن طويل، وهو تحقيق تكافؤ الفرص بين الناس؟، هذا الهدف لا يقول بإعطاء الجميع نفس المزايا، ولكنه يقول بإتاحة نفس الفرص للجميع للحصول عليها، فإذا فشل بعضهم في الحصول عليها بسبب نقص فيه، كان عليه أن يتحمل عاقبته.

قد يبدو مبدأ تكافؤ الفرص لأول وهلة واضحاً ومعقولاً، وقد يبدو أيضاً سهل التطبيق، ولكنه يثير في الحقيقة من المشكلات الأخلاقية والعملية. ما قد يبعث اليأس من إمكانية تحقيقه هو الآخر.

إذ ما هي بالضبط أوجه النقص التي يجوز أن يتحمل المرء الذي يعانيها تبعتها. ولنركز على هذا المثال البسيط: فرصة دخول جامعة أمام الحاصلين على الثانوية العامة.

قد نجد من السهل أن نتفق على أن هذه الفرصة يجب أن تتاح، بصرف النظر عن الدين الذي يعتنقه الطالب، أو الجنس أو المركز الاجتماعي، رغم أن علينا أن نعترف بأن بعض هذه الامتيازات كانت تعتبر حتى وقت قريب، حتى في بعض من أكثر البلاد تقدماً، سبباً للتمييز والحرمان.

لقد ظلت بعض الجامعات الإنجليزية العريقة، حتي وقت ليس بالبعيد، تقبل الذكور دون الإناث، وما زالت بعض الكليات في بلادنا وغيرها، تطبق ما يسمي «بكشف الهيئة»، كشرط لقبول الطالب فيها، وهو تعبير مهذب عن شرط التحقق من المركز الاجتماعي. أما الدين فما زلنا نسمع عن حالات من التمييز بسببه، في الالتحاق بالجامعات، بل في تقلد بعض الوظائف لدى التخرج فيها.

ولكن ماذا عن التفاوت في الدخل والثروة؟. إن جامعات قليلة جداً في العالم، هي التي لا تفرض رسوماً على الالتحاق بها، أو أثماناً لكتابها، فأين تكافؤ الفرص بين الطالب الثري والطالب الفقير، إذ توفرت لديهما نفس الدرجة من الذكاء والهمة؟.

إن فكرة «تكافؤ الفرص»، رغم ما يبدو عليها من بساطة ووضوح، تستند في الواقع إلى مفهومنا للعدل، وهذا المفهوم ليس بالبساطة أو الثبات اللذين نتصورهما.

فالقول بضرورة تكافؤ الفرص، معناه أن من الضروري في معاملتنا للناس، استبعاد العوامل التي يعتبر من الظلم السماح لها بالتأثير في هذه المعاملة، ولكن هذا الذي نعتبره ظلماً، لا يتفق عليه الناس دائماً للأسف، ولا يستمر الناس في اعتباره ظلماً إلى الأبد.

نعم، نحن نجد من السهل الآن أن نعتبر من الظلم، أن تختلف معاملتنا للناس بسبب اختلافهم في الدين أو الجنس أو لون البشرة أو المركز الاجتماعي، وربما أيضاً في الدخل والثروة. ولكن الأمر لم يكن دائماً كذلك. بل وما زالت توجد صور صارخة للتميز في المعاملة حتى الآن، بسبب بعض هذه العوامل.

انظر مثلاً إلى حالة انتخابات الرئاسة الأميركية، في دولة، المفترض أنها تراعي مبدأ تكافؤ الفرص أكثر من غيرها، إذ لا يستطيع دخول السباق للفوز بمنصب الرئيس، من لا يملك أو يعجز عن إنفاق ملايين الدولارات.

وما زال لون البشرة حتى الآن يشكل عائقاً لا يسمح بتكافؤ حقيقي في الفرص (وقد نضيف أيضاً التوجه الجنسي، أي الموقف من المثلية في العلاقة الجنسية).

هذه العوامل، ربما لا تلعب في بلادنا نفس الدور الذي يلعبه في بلاد أخرى في تهديد مبدأ تكافؤ الفرص، ولكن لدينا عامل واحد آخر على الأقل، يلعب هذا الدور القوي، وهو الدعاية الدينية.

فهل الانتساب إلى حزب ديني، واستخدام الشعارات الدينية في كسب الأصوات لمرشح دون آخر، يعتبر إخلالاً بمبدأ تكافؤ الفرص، ومن ثم، يجب منع استغلاله في الدعاية الانتخابية، أم لا يعتبر كذلك؟.

كل هذه الأمثلة وغيرها، تثير نقاشاً حول مفهوم العدل، ولن يكون من السهل حسم الخلاف حولها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات