مشكلة البعض مع الإمارات أنها صريحة كما يجب للصراحة أن تكون وكما يجب أن تُقبَل دون تزييف أو تمييع، وواقعية كما يُفترض للواقعية أن يُنظَر لها وتحدّد وفقاً لها معاييرها التي تُقاس بها، قد يصف أعداء الإمارات سياستها بكل صفةٍ يفترون بها لكنهم لن يجرؤوا على وصمها بالتلوّن والضبابية، فمواقفها كانت صريحة وجلية جلاء الشمس .
فيما حل بالعديد من البلاد العربية ووقفاتها الرافضة للتيارات الطائفية والأجندات الحزبية كانت حازمة رغم محاولاتهم لتقديم أنفسهم بأقنعة «ممكيَجة» وانطلائها على البعض، فدارت الأيام وسقطت الأقنعة عن الأوجه الكالحة وانكشفت للجميع مؤامراتهم التي طالما حذّرت منها الإمارات!
من نافلة القول ذِكر أنّ التيارات الحزبية وعلى رأسها الإخوان قد سقطوا سقوطاً بائساً على المشهد السياسي، وبعد تلك الأدبيات والغزارة التنظيرية طيلة ثمانين عاماً أسقطهم الشعب بعد أن انصدم بخوائهم السياسي وعجزهم الاقتصادي ونَفَسهم المجتمعي الإقصائي، وحقاً «رُبَّ ضارةٍ نافعة» وربما تلك هي حسنة الربيع العربي الوحيدة وهي انكشاف الحزبيين بصورة لم يتوقعها أكبر المتشائمين، ولكن تبدو الأوطان آخر ما يهمهم.
ونحن نراهم يُمالئون ايران ومشروعها الصفوي التخريبي في جزيرة العرب وينتفض أحد رؤوسهم وهو راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسي رافضاً أن يتم اعتبار حزب الشيطان اللبناني كياناً إرهابياً ويقول: «إن دور حزب الله في سوريا إشكالي وهو محل أخذ ورد» .
ثم حاول تدارك الأمر بعد أن رأى كبر خطيئة كلامه ليخرج بتصريحٍ مفاده أن الحزب وقف مع الطائفية في سوريا واليمن ومع «الثورات المضادة» وهذه العبارة تحديداً يستخدمها الحزبيون لوصم كل من وقف ضد مشروعهم الطائفي وتحديداً السعودية والإمارات، إذن فالغنوشي خرج من الباب عن كلامه السيئ ليعود من النافذة!
السُعار الطائفي وصل مرحلةً غير مسبوقة، ويكتوي بنيرانه العرب في المجمل ، ولئن كان إرهاب داعش والقاعدة مما لا يختلف عليه عاقلان إلا أن الإنسان السوي ليحار من ذلك «الحَوَل» والنظرة الانتقائية للدول الكبرى عندما تتحدث عن الإرهاب، فهي لا ترى إلا من ينتسبون للسُنّة فقط رغم أنه لم يُبتلَ أحدٌ بجرائمهم وفظائعهم.
كما ابتُلي السُنّة منذ اندحار السوفييت من أفغانستان وحتى الساعة أمّا بقيّة الطوائف فلم يُصِبْهُم إلا القليل مقارنةً بما أصاب السُنّة، لكن هذه الدول الكبرى لا ترى الجماعات الإرهابية من المعسكر المقابل وكأنها تُعطيه ضمنياً بسكوتها شرعيةً للاستمرار في أنهار الدم التي أسالها ولا زال وفقط ضد السُنّة رغم رفضنا ورفض كل العقلاء لكل أشكال الإرهاب تجاه كل الطوائف!
سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي كان صريحاً كعادة الإمارات وجريئاً بالتخلّص من كل المصطلحات الفضفاضة التي لطالما ضاع من خلالها المعنى المراد خلال كلمته على هامش المنتدى العربي الروسي في عقر دار الروس في موسكو والتي قال فيها: «لا يمكن أن يكون هناك أي تلكؤ من أي طرف حول الإرهاب، للقضاء على الإرهاب لا بد أن نبحث عن كل ما يؤدي إليه ونقضي عليه» .
ثم جعل كلامه واضحاً تماماً حتى يعلم الجميع من يعني وتحديداً للدولة الكبيرة التي تكاد تقف مع ايران راعية كل الجماعات الطائفية في خندقٍ واحد: «لا يمكن أن نُفرّق بين داعش والنصرة من جهة والجماعات المدعومة من قبل إيران سواءً كانوا كتائب أبو الفضل العباس أو جماعة بدر أو الحشد الشعبي فهم يفعلون ما يفعلون في العراق وسوريا».
إن المكان والزمان تم اختيارهما بدقة من سمو وزير الخارجية لايصال رسالةٍ واضحة لشريكٍ رئيسي في الحرب على الإرهاب ولتوضيح الموقف الخليجي بأنّ الإرهاب كلٌ لا يتجزأ وفقاً للطائفة التي ينتسب إليها، فإن كان المجتمع الدولي ولاعبوه الكبار صادقين في القضاء عليه.
فلا بد ألا يُترك معسكر ليسرح ويمرح ويقتل كيفما شاء على الهوية ويتعمد إبادة قرى وتهجير أخرى لخلق فراغ ديموغرافي يتم ملؤه لاحقاً بطوائف مستحدثة على المكان كل ما تملكه من حقٍ مزوَّر هو تبعيتها لايران لا غير.
وهو أمرٌ أثار ايران وأذنابها في بعض الدول العربية التي تم «تدجينها» واختطاف قرارها السياسي من قبل طهران، وهو ما حذّر منه بعدها بأيام سمو الشيخ عبدالله بن زايد في مؤتمر صحفي مع نظيره الألماني فالتر شتاينماير بأن محاولات إيران للعبث في الشؤون العربية مستمرة .
ولفت النظر إلى حقيقة مفزعة بأنّ إيران «هي الدولة الوحيدة في العالم التي ينص دستورها على تصدير الثورة» قبل أن يتطرق لنقطة محيرة بأن إيران أظهرت في الاتفاق النووي أنها دولة قابلة للحوار مع العالم ولكن عليها أن تبيّن أنها قابلة للحوار مع جيرانها من بابٍ أولى!
السعار الذي أصاب البعض من كلمة سمو الشيخ عبدالله ورفضهم لمضمون كلمته كذّبته كلمة الجنرال حسين سلامي نائب قائد الحرس الثوري الإيراني خلال المناورات العسكرية الأخيرة عندما صرّح بأن حجم الجيوش «الشعبية» التي تشكلت في العراق وسوريا واليمن و«المرتبطة» بالثورة الايرانية يبلغ حجمها عشرة أضعاف حزب الله في لبنان.
وكذّب رفضهم قبل ذلك تصريح حيدر مصلحي وزير الاستخبارات السابق بأن إيران أصبحت تسيطر على أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وكذّبتها تصريحاتهم بأنفسهم والتي تهجمت على السعودية والإمارات كثيراً بذات المصطلحات والتعابير التي تعوّدنا سماعها من ساسة طهران.
لكل ذلك لم نستغرب تلك الحفاوة الكبيرة عربياً لكلمة الشيخ عبدالله والتفاعل الهائل لهاشتاغ (كلنا عبدالله بن زايد) لأنه قال بوضوح وجرأة ما كان كل العرب يريدون قوله بعد أن سئموا من الموازين المختلّة التي تتعامل بها القوى الكبرى مع تجار الدم والموت في منطقتنا العربية وكأن لسان كل واحدٍ فيهم وأنا أولهم يقول: أنا عبدالله بن زايد!