الحماية القضائية لحرية التعبير

يبدو أن ذاكراتنا القضائية والقانونية التاريخية أصابها بعض من الوهن لدى الجماعات القانونية، والنخبة السياسية، بل والجماعة الثقافية، لأن بعضهم داخل هذه الجماعات يركز على تحليل الموقف الاجتماعي أو السياسي أو المحافظ لدى بعض القضاة وأحكامهم في قضايا الحريات، ويحاولون تعميمها على المواقف التاريخية والمبادئ التأسيسية لكبار القضاة من الفقهاء الذين وضعوا المبادئ والقواعد القضائية المناصرة والداعمة والمرسخة للحريات العامة والشخصية وعلى رأسها الحرية الأم، وهي حرية الرأي والتعبير والإبداع الفني.

يتناسى بعضهم أن الجماعة القانونية –القضاة والمشرعين والفقهاء والمحامين والمفكرين من ذوي التكوين القانوني -هي طليعة القوى الحديثة التي قامت ببناء الدولة القومية، من خلال وضع وتوطين القواعد القانونية الوضعية الحديثة، ومعها الفكر والنظريات والمفاهيم والمصطلحات القانونية، سواء على مستوى التنظير أو تطبيق هذه النظريات على الواقع الاجتماعي المصري بكل محمولاته وتفاعلاته ومشاكله وظواهره الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

من هنا لعبوا دوراً حيويا استثنائيا في جنوب العالم في إطار الثقافة القانونية اللاتينية، وهي تجربة رائدة وطليعية، مع الهند في إطار الثقافة القانونية الأنجلوسكسونية، ونظراً لأن القانون الحديث هو ابن التجربة الليبرالية والرأسمالية الغربية، كانت مسألة تأصيل الحريات العامة والشخصية من أبرز ركائز عمليات بناء الدولة المصرية الحديثة.

من هنا أولاها القضاة وفقهاء القانون والمحامون والمفكرون أهمية استثنائية في ظل الوعي شبه الجمعي والنخبوي بأن مصادر تهديد حرية الفكر والرأي والإبداع والتعبير عديدة سواء على الصعد الاجتماعية والدينية المحافظة، أو طبيعة النظام السياسي وميل بعض الحكام إلى كبح جماح حرية العقل الناقد أو الإبداع الأدبي وسردياته على تعددها واختلاف أجناسها من هنا كان التقليد الحر –أو الليبرالي- لدى كبار القضاة راسخاً.

من الشيق ملاحظة أن هذا التوجه الرائد والطليعي، كان تعبيراً عن المجتمع شبه الليبرالي والمفتوح على تيارات الفكر القانوني الأوروبي اللاتيني –البلجيكي والإيطالي الفرنسي- ومدارسه الأساسية، وعلى مدارس فكرية وأدبية وفلسفية وسياسية متعددة. من ناحية ثانية: كان التكوين العلمي للجماعة القانونية والقضائية يتسم بالعمق والحداثة والرصانة، ومتابعة الجديد في النظريات القانونية على اختلاف مجالها.

من ناحية أخرى: كانت الجماعة القضائية خاصة، والقانونية عامة منفتحة على الحياة الثقافية المصرية وتياراتها المختلفة، وعلى متابعة بعض الإنتاج الفكري والأدبي لكبار المثقفين والمفكرين والأدباء، من روائيين وقصاصين وشعراء، بل وعلى التراث الأدبي العربي لاعتبارات تتصل بتكوينهم الثقافي، والتفاعل مع النصوص الأدبية لرفد أحكامهم ولغة تسبيب الأحكام بالبلاغة الأدبية. من ناحية ثالثة: كان طالب القانون وخريجو كلية الحقوق آنذاك يجيدون اللغة العربية، واللغة الفرنسية أو الإنجليزية.

من هنا نستطيع القول ان البيئة التعليمية والثقافية والسياسية المفتوحة على حريات الفكر والرأي والتعبير والإبداع ساهمت في تطوير الوعي القانوني والأدب القضائي الذي ناصر وبقوة حريات الفكر والرأي والإبداع.

لا شك أن فائض هذه المرحلة شبه الليبرالية في الفكر القانوني استمر إلى عقدي الستينيات والسبعينيات، على الرغم من شيوع نمط من التسلطية السياسية والتسلطية التشريعية، واختلاف مستويات التكوين القانوني لدى الجماعة القانونية والقضائية عن المراحل التأسيسية وتطويرها، إلا أن بعض من أثر المحافظة الدينية والسياسية أدى إلى تغير في المزاج القانوني وفي نوعية الأحكام بل ولغتها، وتراجع مستويات بعض الأدب القانوني عموماً والقضائي على وجه الخصوص.

ثمة تأثيرات للحركة الإسلامية السياسية، والتكوين الأزهري –في كليات الشريعة والقانون- على تكوين بعض الجماعة القانونية والقضائية، في ظل تراجع نوعية الدراسة في كليات الحقوق لاسيما في بعض الجامعات الإقليمية، والانفصال بين بعض القضاة والمحامين عن الحياة الثقافية أدى إلى نمو النزعة المحافظة وسيادتها.

من هنا نستطيع فهم بعض الخلط بين الواقع الموضوعي وشخوصه وأقوالهم وسلوكهم وقناعاتهم، وبين الواقع التخييلي وفضاءاته.

ان لغة القاع التي تسيطر على الحياة الواقعية، ليست هي واقعية البذاءة وتخييلاتها في السرد الروائي أو القصصي لأنها حيلة روائية تكشف عن ثنايا الحياة، ولا تروج لها.

ومن الشيق ملاحظة أن الواقع الافتراضي بات يسيطر عليه استعراضات استهلاكية للعلاقات الحميمة بين الرجال والنساء، على نحو بات يواكب ويقفز على ما يحدث في الواقع الفعلي، ومع ذلك لا يمكن الحجر أو الحجب على هذه اللغة والعلاقات المألوفة أو غير المعهودة في الحياة الواقعية بين الناس.

من هنا ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مصر في واحد من مبادئها إلى: أن أكثر ما يهدد حرية التعبير. أن يكون الإيمان بها شكلياً أو سلبياً، بل يتعين أن يكون الإصرار عليها قبولاً بتبعاتها، وألا يفرض أحد على غيره صمتاً ولو بقوة القانون وتذهب المحكمة وبحسم إلى أن حرية التعبير التي كفلها الدستور هي القاعدة في كل تنظيم ديمقراطي لا يقوم إلا بها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات