الصحوة على الطريقة الإيرانية

أعلن قائد في الباسيج الإيراني، أن «وجود صنعاء في أيدي الحوثيين، أعطى دفعة جديدة للصحوة الإسلامية».

وكان «خامنئي» نفسه قد اعتبر «الربيع العربي»، تعبيراً عن هذه الصحوة، وعندما وصلت عاصفته إلى سوريا، غير رأيه وقرر القضاء عليها بواسطة جيشه، ومرتزقة حزب الله وفصائل أبي الفضل العباس، واليوم، يقول عسكر الباسيج: إن سقوط العواصم بيد حلفاء طهران، صار هو هذه الصحوة.

أذكر فقط بما تسبب به الحوثيون خلال خمس فتن مسلحة نظموها في بلادهم، كانت نتيجتها المؤكدة، المزيد من الاحتجاز الوطني، والانقسام المذهبي، والصراع العشائري، وترسيخ فقر فقرائه وجوع جياعه، وتبديد أموال دولته في غير الوجهة التي كان يجب أن تنفق عليها، وتعزيز الهوة بين مناطق اليمن، الذي صار مهدداً بالتفكك وحال دائمة من الاقتتال..

بينما أثبت سلوك الحوثيين خلال الأسابيع القليلة الماضية، أنهم أقرب إلى غزاة أجانب منهم إلى مواطنين، وأكد أنهم طرف هدفه قهر المظلومين، إن كانوا من غير ملته، وما أكثرهم في يمن كان ذات تاريخ سعيداً، ونكب بنظام فاشل تلاعب بعوامل التمزق والفرقة بين مكوناته..

وبخلافات مال أصحابها إلى حسمها بقوة السلاح، مثلما فعل الحوثيون خلال الفترة الماضية، عندما غطوا صراعهم ضد الدولة بمطالب تتصل بالعدالة والإنصاف في التمثيل الحكومي..

وعندما دخلوا صنعاء، نسوا ما أتوا من أجله، وأذلوا أهلها ونهبوها، واعتدوا على جيش بلادهم، رغم أنه كان قد قرر ألا يقاتلهم، خوفاً من انفجار حرب أهلية، فاقتحموا ثكناته ومقراته و«غنموا» أسلحته، وتصرفوا كمحتلين اجتاحوا بلداً معادياً، وليس كمواطنين دفعهم الظلم إلى طلب الإنصاف وسيوفهم في أيديهم.

إذا كانت هناك جهة قهرت أخرى بالعنف، وكانت الجهتان إسلاميتان، كيف يكون انتصارها «دفعة جديدة للصحوة الإسلامية»؟.

هل تكون صحوة إسلامية بانتصار أقلية على الأغلبية، وباستباحة كرامتها وإذلالها ونهبها وإخضاعها بقوة السلاح، وكيف يكون ما حدث في اليمن صحوة إسلامية أصلاً، إذا كانت مطالب الحوثيين، مجرد غطاء لرغبتهم في التغلب على بقية اليمنيين، والسيطرة على مقدراتهم، وكسر إرادتهم، وهل يمكن للمقهور والمغلوب أن يرى في قهره وإذلاله صحوة، إسلامية كانت أم غير إسلامية؟.

هذه الأسئلة تطرح مسألة مهمة، تتصل بفهم الإيرانيين للصحوة الإسلامية، التي يبدو أنها تعني عندهم غلبة مذهب على دين، وأقلية على أغلبية ساحقة داخل اليمن، أما خارجه، فمعناها وضع يد طهران على العالم الإسلامي، والتحكم بمسلميه، ما يجعل الصحوة معادلة لصعود إيران السياسي والعسكري..

وما تعمل له من تفكك يصيب المسلمين، وصراعات تفضي إلى تدهور أحوالهم وخضوعهم لتناقضات مذهبية قادت إلى انفجارات دامية في أماكن كثيرة، وبصورة خاصة في وطننا العربي، حيث تبدو مخاطرها جلية في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين، والحبل على الجرار.

كيف يكون الانفجار الذي يمزق العالم الإسلامي منذ الثورة الإيرانية، وصعود حكم الملالي، صحوة إسلامية، إذا كان عائدها الرئيس، اصطفاف المسلمين طائفياً ومذهبياً، وتفاقم تأخرهم وغربتهم عن عصرهم وعالمهم، وتسويغ اضطهاد كتلهم البشرية الهائلة، وكسر شوكتهم والتنكر لحقوقهم الطبيعية والإنسانية، في ظل بروز إيران كطرف يشجع تناقضاتهم ويغذي اقتتالهم..

ويراهن على تطرفهم، ويحقنهم بخلافات وأحقاد تاريخية، تسهم في احترابهم، وتضعهم أمام خيار كارثي: الخضوع لصحوة إسلامية من نمط إيراني، والانخراط فيها، والقبول بما يتطلبه انتشارها، أو مواجهة الفتن وسقوط العواصم، كما حدث ذات يوم في بيروت، ويحدث اليوم في صنعاء.

قام الإسلام على التراحم بين بشر، هم جسد واحد، يجب أن يبقى بمنأى عن الحرب والعدوان، وترك حسابهم ليوم يعلمه ربهم، فلا تكفير ولا قهر ولا عدوان على الآخرين في هذه الحياة الدنيا، أما الصحوة الإيرانية، فهي تقوم على مصالح سياسية خاصة مغلفة بعداء مذهبي الطابع والمنطلقات، تمليه عقلية تكفير عدوانية، لذلك..

كان من الطبيعي بالنسبة له أن يرى في سقوط صنعاء «دفعة جديدة» «للصحوة الإسلامية»، وأن يتجاهل حقيقة مؤلمة، هي أن جميع ضحاياها من المسلمين، كأن الصحوة ليست صحوتهم، أو كأنها تكون صحوة، إن كان عائدها إذلالهم وشحن قلوبهم بالحقد والكراهية المذهبية.

إنه الفارق بين الحياة والموت، والإيمان والضلال، عندما سيكون هناك صحوة إسلامية، لن تسقط عواصم المسلمين، ويذل المؤمنون، ويقتل المختلفون في الرأي والعقيدة، وينكل بالفقراء، ويحجر على العقل والحرية، عندما ستكون هناك حقاً صحوة إسلامية، سنخرج حتماً من صحوة تقتل المسلمين وتتلاعب بالدين، تبناها ملالي لم يجدوا أحداً يدمرونه بها غير العرب.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات