خَلق الله تعالى الإنسان ليعبد، ويَخلفه في الأرض وأيضاً لعمارتها، لقوله وتعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30]، وهناك جدل كبير في هذه المسألة، ولكن هذه الأهداف التي من أجلها خُلقنا جميعاً يجمعها عامل مشترك مهم جداً ولو كثر الجدال، وهو «فعل الخير».
فعبادة الله تعالى وما فرضه الله تعالى من عبادات جاءت محفِّزاً لفعل الخير والنهي عن الفحشاء والمنكر، وفي مسألة خلافة الأرض، لا يمكن لخليفة الله في الأرض إلّا أن يتسم بالخير، وعمارة الأرض لن تتم إلا بالأفعال الحميدة، ولكي تستمر الحياة جيلاً يخلف جيلا، يجب أن ينتشر مفهوم الخير، فبه تتكاثر البشرية بسلام، ويعم الخير والوئام.
فما بين الخير والإنسانية علاقة وطيدة، فالإنسان يولد على فطرة الخير، وفي التعاملات اليومية، عندما نريد أن نظهر المعدن الحقيقي للإنسان وتصرفاته نقول مثلاً «تصرف إنساني، فكرة إنسانية، خدمة للإنسانية».
الكثيرون من الناس يستهجنون حالة العنف التي اتسم بها الإنسان عبر التاريخ، ويحق لنا أن نسميها إعداما للإنسانية، وهل هذه الحالة نتيجة ضغوط اجتماعية، أو ربما فكر مندس كما وضحنا في مقالتنا السابقة «قنبلة فكرية»، أو ربما هي ابتعاد عن القيم والأخلاق التي وضَّحنا صوراً منها في مقالة نشرناها مؤخراً «مكارم الأخلاق الحميدة»، وهنا نتساءل هل نحن نعيش في غابة؟! وهل فعلاً انعدمت الإنسانية؟!
أب يقتل ابنه على إثر خلاف مع زوجته وعند أخذ أقواله يعترف أنه يتمنى أن يخرج من السجن لساعة واحدة ليقتل ابنته، وهذا آخر يقوم باغتصاب طفلة ومن ثم يقتلها ويلقيها في الشارع، وشخص يقتل أمه نحراً تطبيقاً لفتوى شرعية غير دقيقة، ما هذا التجرد من الإنسانية الذي بتنا نعيشه ولم نعد نتعايشه؟!
هذا الأب ليس نادماً على فعلته ولو سنحت له الفرصة لفعل المزيد، ومُغتصب الطفلة البريئة لم يكتفِ باغتصابها بل يقتلها ويلقي بها في الشارع، وإن كان موتها قد بدأ من لحظة الاعتداء عليها، وكيف ينتمي لجنس الإنسان من يجلس في حضن أمه ومن ثم ينحرها، هذه الجرائم المرتكبة وغيرها الكثير مما لا يسعنا ذكرها، هي من صنع يدي شخوص من بني البشر وفي حالاتنا هذه فقد انعدمت الإنسانية وكأننا نعيش في غابة.
الإنسان مشاعر وأحاسيس، هدوء وغضب، خير وشر، ويقول الله تعالى: «وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» [الكهف: 54]، وبهذا البيان فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هداه الله وبصّره لطريق النجاة.
ومن المعروف أن الإنسان يعيش على هذه الأرض منذ آلاف السنين، ومنذ جريمة قابيل وهو يرتكب المعاصي والجرائم، لكن إذا كانت الجريمة بدأت بقتل الأخ لأخيه ومازال كذلك نقتل بعضنا بعضاً إلى أن وصلنا لأن يقتل الوليد أمه ويقتل الأب أولاده.
ولا نفس تبالي ولا تحاسَب، فهل واجبنا أن نأتي إلى هذه الأرض لنعيش هذا العمر البالي ونرحل، ونترك بصمة عار في دنيانا، وحساب من بعده عذاب في آخرتنا؟!! هل هذا هو الهدف من حياتنا؟! وما نقوم به ليلاً نهاراً من أفعال وتصرفات وحتى كلمات؟! بالطبع لا.
فالله تعالى لا يريد منا أن نعيش هذا النفاق وهذا الكذب المبطن والحقد الدفين، والخصام المعلن والمخفي، فنجد أخا لا يتحدث مع أخيه وهو من أمه وأبيه، وابنا يعق والديه، وأبا يظلم أولاده، وأما تنافق على زوجها وزوجا يخون زوجته، ونجد من بين الأقارب عقارب، والصاحب ساحبا لا يصحبك إلّا للباطل.
وكل شخص لا يفكر إلا بنفسه، والإنسانية أبداً لا تلتقي مع الأنانية، ونحن هنا لا نتحدث عن الجميع ولا عن الغالبية، لكن داخل كل شخص منا نفاق من جهة معينة، أو كذبة من جهة أخرى، وما نخفيه كان أعظم.
الحياة أبسط من هذا التعقيد فهي رحلة، كُل ما فيها في الميزان سيحاسب عليها الإنس والجان، ولنا حق الاختيار بأن نجعلها رواية للنسيان، أو قلوباً بيضاء نقية كاللؤلؤ والمرجان، وطريقاً مُنيراً نسلكه للوصول للجنان، ويعيشها ذلك الإنسان الذي سيكتب فيها أجمل ما تخطه يداه، وأفضل ما تصنع خُطاه.
ويكون بينه وبين الظلم حدّ لا يتخطاه، ويكون لكبير السنِّ أَدب بصوته لا يعلوه، ولصغير من الأغراب عطف حماه، ولصديق في معترك الحياة للصواب هداه، ولأخٍ من العاديين روح تفداه، ولزوجٍ من الهم والغم قلب آواه، وخادم لأمٍّ بالحنانِ بحضنٍ احتواه، بل يكون جاريا تحت أقدام من ربَّاه، وعابداً وحامداً وشاكراً لله بما أعطاه، فهذا هو الإنسان الذي نبتغيه.