تعبئة خزان الوقود ليست هي القضية

فيما يبدو أنه تهدئة للمخاوف التي أثارها البعض، أكدت شركة بترول أبوظبي الوطنية للتوزيع، أدنوك للتوزيع، أن خدمة تعبئة الوقود الذاتية في بعض محطات توزيع المحروقات هي اختيارية لجميع الأفراد، في حال رغب العملاء في تجربتها. وأشارت إلى أن العمل بالنظام الحالي لخدمة تعبئة الوقود بواسطة عمال المحطات سيتواصل، وللعملاء حرية الاختيار بين الخدمتين.

وكانت «أدنوك للتوزيع» قد أطلقت خدمة تعبئة الوقود الذكية في الأول من شهر مارس الحالي، بمرحلة تجريبية ستستمر حتى الأول من شهر أكتوبر المقبل، في أربع محطات توزيع في جزيرة أبوظبي، تتيح للعملاء تعبئة سياراتهم ذاتياً، بالاستفادة من أحدث مخرجات التكنولوجيا.

وفقاً لأساليب سداد مالية متنوعة. ويأتي توفير هذه الخدمة انسجاماً مع مبادئ استراتيجية أبوظبي 2030، وتوجه دولة الإمارات للتحول نحو الحكومة الذكية والمدن الذكية، وفقاً لما صرح به معالي سهيل المزروعي، وزير الطاقة.

إطلاق خدمة «أدنوك الذكية» أثار العديد من ردود الفعل المتضاربة، بين مؤيد لفكرة الخدمة الذاتية، لما سيترتب عليها من تقليل الاعتماد على العمالة الوافدة، لأسباب اقتصادية وأخرى لها علاقة بحل مشكلة التركيبة السكانية التي تزداد تعقيداً مع تقدم حركة النمو الاقتصادي والعمراني في الدولة، وبين عدم تقبل الفكرة، لأسباب تتعلق بمستوى الرفاهية الذي وصل إليه مجتمع دولة الإمارات، وبعض المفاهيم الخاطئة التي تجعل من فكرة النزول من المركبة لتعبئة خزان وقود السيارة تنازلاً عن «البرستيج» لا يليق بالمقيم على أرض دولة الإمارات، بغض النظر عن جنسيته.

لذلك امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالتعليقات ومقاطع الفيديو التي تنتقد الفكرة، متعللة بالعادات والتقاليد التي لا تتقبل، على سبيل المثال، نزول المرأة من سيارتها لتعبئة خزان وقودها، رغم أن هذا لا يقلل من قيمتها ولا يشكل إهانة من أي نوع لها.

ويمكن إيجاد حلول مناسبة له في حال ما إذا سبب حرجاً لقائدات المركبات في الدولة، وحسناً فعلت معالي نورة الكعبي، عضو مجلس الوزراء وزيرة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، عندما ظهرت في فيديو ترويجي لخدمة «أدنوك الذكية» وهي تقوم بتعبئة خزان وقود سيارتها بنفسها، مستخدمة هذه الخدمة.

بغض النظر عن الوفر المالي الذي سيحققه الاستغناء عن العمالة في محطات توزيع الوقود، وبغض النظر عن النسبة التي سيسهم بها إدخال هذه الخدمة في حل مشكلة العمالة الوافدة وتأثيرها على التركيبة السكانية في الدولة.

فإن مجرد التفكير في تغيير نمط الحياة والتعامل مع احتياجاتنا اليومية يعتبر في حد ذاته دافعاً لتقبل تجربة هذه الفكرة في إمارة أبوظبي، وتعميمها لاحقاً، إذا ثبت نجاحها، في إمارات الدولة الأخرى، رغم أن هناك تجربة سابقة لم تكتمل في إمارة دبي، عندما أقدمت شركة بترول الإمارات الوطنية «إينوك».

 وشركة الإمارات للمنتجات البترولية «إيبكو»، عام 2014 على تطبيق هذا النظام اعتباراً من الساعة الثانية عشرة ليلا وحتى الساعة السادسة صباحاً، في عدد من محطاتها، لكن الشركتين تراجعتا عن تطبيق النظام بعد أقل من عام على تطبيقه، وعادتا إلى توفير نظام التعبئة الشاملة للوقود على مدار الساعة في جميع المحطات.

خطوة «أدنوك للتوزيع» هذه، بغض النظر عن تباين ردود الفعل تجاهها، ودون الحكم مسبقاً على نتائجها التي ستتضح بعد انتهاء فترة التجربة المحدد لها الأول من شهر أكتوبر المقبل، هذه الخطوة تطرح من جديد الأسئلة حول تقبلنا لبعض الأفكار في الدول الأخرى، ورفضنا لها عند القيام بتجربتها في دولتنا، رغم أننا نستخدمها عندما نسافر إلى تلك الدول، دون أن نبدي تبرماً أو تذمراً، ويعتبرها البعض منا مظهراً من مظاهر التحضر، نتباهى بها أمام أصدقائنا عند عودتنا من السفر.

ومنها خدمة تعبئة الوقود الذاتية هذه المطبقة في الدول الغربية، وبشكل أقل تطوراً مما تقدمه محطات تعبئة الوقود عندنا، لكننا نستخدمها، ونقول إنها توفر علينا الوقت الذي يستغرقه عامل خدمة محطة الوقود في التعبئة والمحاسبة، مما يجعلنا نستفيد من هذا الوقت ونوفره للرحلة.

أعرف أن عقد المقارنات غير محبذ لدى البعض، وأن استحضار الماضي في نظر البعض ليس هو الوسيلة المثلى لإعطاء الدروس والعبر، لكن هذا لا يخل بسياق الحديث، تماماً كما أن الحديث عن ضرورة الاستعداد للمستقبل لا يعني أن ما نعيش فيه من رفاهية مهدد بالزوال.

ولا يلغي ضرورة أن نكون جاهزين لأي مستجدات تطرأ على حياتنا، فنحن ولله الحمد نعيش في بلد تحرص قيادته على حماية حاضره، بالقدر نفسه الذي تخطط فيه لمستقبله، وتعلم جيدا أن الرفاهية التي ينعم بها أبناؤه اليوم لم تولد معهم.

ولم تأت لهم على طبق من ذهب، فقد عانى آباؤنا وأجدادنا من شظف العيش قبل ظهور النفط، وتحملوا قساوة الصحراء ومخاطر البحار سنوات طويلة، وتقبلوا هذا كله برحابة صدر ونفس طيبة، ودافعوا عن وجودهم وأرضهم بكل إباء وشمم.

وفي حديثه إلى مجندي الخدمة الوطنية الأسبوع الماضي، أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن الدول لا تقاس بحجمها وتعداد سكانها، وإنما تقاس بإرادة شعوبها، ودعا إلى عدم الاستهانة بإرادة الرجال، فالتاريخ شاهد على قصص وأحداث أثبتت كيف كانت الإرادة والتضحية من أجل الوطن تصنع المعجزات.

تعبئة خزان الوقود ليست هي القضية.. القضية هي كيف نعبئ أنفسنا بالإرادة القوية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات