للحروب أغنيات مُرّة !

كما للحب فإن للحرب أغانيها أيضاً. الحزن وجه آخر للفرح كما الحرب وجه السلام الآخر. فمن اخترع السلاح لم يقصد أن يقتل الحياة بل أن ينقذها من الشريرين أعداء الحياة.

فهذا ميخائيل كلاشينكوف مخترع أشهر سلاح في العالم يعترف في رسالة كشفت عنها ابنته بعد وفاته العام 2013 إنه نادم على اختراع البندقية التي قتلت الملايين من البشر. إذ إنه مع اندلاع الحرب العالمية الثانية شارك في معركة بريانسك عام 1941 ضد الألمان وجرح خلال المعركة ثم نقل بعدها إلى أحد المستشفيات الروسية لتلقي العلاج..

وعن تلك الفترة يقول كلاشنيكوف »هناك وعلى الرغم من الآلام التي كنت أعاني منها بسبب جروحي كانت هناك فكرة وحيدة تسيطر على ذهني طيلة الوقت وهي كيف يمكن اختراع سلاح يسمح بقهر الفاشيين«. ابتداء من تلك الفكرة وتلك الفترة وبعد جهود استمرت خمس سنوات توصل كلاشنيكوف إلى اختراع البندقية الرشاشة الهجومية AK-47 التي حملت اسمه.

في الحرب،الناس الذين لا يقاتلون ولا يُقتلون..يُغنّون. نعم يغنون ويرقصون أيضاً لكنه الغناء المر والرقص ألماً كما زوربا. أذكر أن أمي حين كانت تغضب نسمعها تغني من الفلكور الشامي وتتحدث عن فترة الحكم العثماني للأمة العربية أغنية »سكابا« التي تقول كلماتها:

سكابا يا دموع العين سكابا

تعي وحدك ولا تجيبي حدابا

وان جيتي وجبتي حدا معاك

لاهد الدار واجعلها خرابة

تركوني أنوح واشتكي زماني

زماني والله بالهوى رماني

حبيب الروح ما ادري ليش جفاني

عفاني وراح خلفلي العذابا

لقد كانت الدولة العثمانية تفرض على العرب التجنيد الإجباري وترسلهم إلى معاركها التي خسرتها وخسر العرب أبناءهم في حرب ليست حربهم، كما هو حالهم الآن.

كانت الأغاني وسيلة لكتابة التاريخ بالغناء،أو لنقل التعبير عن الألم بالموسيقى واللحن. ومن تلك الأغاني تلك التي تروي حكاية الباخرة »الروزنا« وقد تعددت الروايات حول أغنية »عالروزانا« التراثية الشامية الشهيرة في العالم العربي، وحكاية الأغنية حكاية كرم وشهامة تجار حلب مع تجار بيروت في وجه الحكم العثماني.

تقول الحكاية الأشهر حول الأغنية أنه أيام حكم العثمانيين أرسلت تركيا باخرة إلى بيروت تحوي جميع أنواع المواد الغذائية، لبيعها بسعر رخيص وزهيد جداً، بهدف المضاربة على تجار بيروت وإلحاق الضرر بهم، وهذا ما كاد يحدث فعلاً، وتكدست البضائع اللبنانية وكادت تتلف.

وعندما سمع تجار حلب بأمر الباخرة التي تريد إلحاق الضرر بتجار بيروت، ما كان منهم إلاّ أن اشتروا البضاعة منهم، وأنقذوهم من الإفلاس.

يذكر أن اسم الباخرة التركية التي كانت ستجلب الكارثة على تجار بيروت هو »الروزانا«، وعربوناً للوفاء ولشكر أهالي حلب، كتبت أغنية »عالروزانا« وقتها وامتدت إلى بقية بلاد الشام آنذاك ( سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن ).

حلب الآن في قبضة الدمار، من نار داعش والنصرة إلى قصف النظام بالبراميل المتفجرة إلى قصف الطيران الروسي وبيروت تتصدع، أهلها يجهزون الأرجيلة والتبولة والحبوب المهدئة تمهيداً للعودة إلى ملاجىء الحرب الأهلية وهذه المرة ليس بانتظار أن »تنتهي الحرب« بل بانتظار التقسيم أو في أحسن الأحوال التقاسم، ومن يدري حصة من تكون ضيعته ومدينته، بحره وشاطئه وجبله. وستظل فيروز تغني:

»ناس بالخنادق..

وناس بالبارات..

العدالة كرتون..

الحرية كذبة..

صار الحبس كبير

وكل حكم بالأرض باطل

حلو يطلع الضو..«

 

الأنفاق كثيرة ولا ضوء إلا ضوء القنابل. وفي الغرف المغلقة ثمة جثة يتم تشريحها دولة دولة، طائفة طائفة، قسماً قسماً، إنه التقسيم. واشنطن تتحدث عن الخطة »ب«، تستعجل نعي الهدنة السورية في يومها الأول، القائد السابق للناتو يكشف عن تفاصيل، وموسكو تدافع عن حصتها بالحديد والنار والغارات، الكرملين يبشر بجمهورية فدرالية سورية..

فقد جاء التدخل الروسي في سورية، لدوافع وأهداف استراتيجية »منها« نظرة موسكو لسورية والحرب على الإرهاب بالمنطقة، بوصفها خط الدفاع الأول عن الأمن الروسي الداخلي، بوجود نحو عشرين مليون مسلم في الاتحاد الروسي، وحزام من الدول والمجتمعات الإسلامية المحيطة بها، كما أن سورية »موطئ القدم الأخير لروسيا في مياه شرق المتوسط الدافئة..

فضلاً عن مصلحتها في قطع الطريق على مشاريع أنابيب النفط والغاز الأخرى، التي كانت ستتخذ من سورية ممراً لها في الطريق إلى الموانئ التركية على المتوسط«.

.لقد وضع هذا التدخل »سقوفاً للأدوار التي يمكن للأطراف الإقليمية أن تلعبها في»سورية الجديدة« التي لن تعود كما كانت مثلما قال وزير الحرب الإسرائيلي موشيه يعلون في تصريحه الذي تزامن مع نفس المعنى الذي صرحت به هيلاري كلنتون التي قد تصبح رئيسة الولايات المتحدة الأميركية القادمة.

إن ما يجري للوطن العربي »مقدر ومكتوب« لكن ليس بمفهوم العجائز بل بالمعنى الحرفي للكلام. وكل سايكس بيكو وأنتم بخير !!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات