اشتراكية ساندرز لا تهم مؤيديه

لفتت انتباهي تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير شبّه فيها المرشح الديمقراطي الأميركي برني ساندرز بزعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين وتحدث فيها عن حيرته إزاء «الظاهرة»، أي تقدم ساندرز، مثلما جرى مع جيرمي كوربين في انتخابات الحزب البريطاني.

ففي زيارة له مؤخرا للولايات المتحدة، أشار بلير إلى أن ظاهرة ساندرز «مماثلة جدا لتجربة جيرمي كوربن» ثم أعرب عن أنه يشعر «بالحيرة» إزاء تقدم برني ساندرز على الرغم من علم أنصاره بأن هناك سؤالا كبيرا يتعلق بمدى قدرته على الفوز فعلا بمنصب الرئاسة.

وعلى الرغم من أوجه الشبه بين بعض بنود برنامجي كوربن وساندرز، إلا أن هناك اختلافات كبيرة بين الظاهرتين، أولاهما أن برنامج ساندرز في أغلب قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي لا يختلف كثيرا عما يقدمه الديمقراطيون عموما، بمن في ذلك هيلاري كلينتون بالمناسبة. وساندرز له تاريخ طويل داخل المؤسسة التشريعية الأميركية وله سجل معروف فى مجمل القضايا الداخلية والخارجية على السواء.

غير أن ما يستحق الاهتمام فيما قاله بلير هو ذلك المتعلق «بحيرته» إزاء عدم اهتمام مؤيدي ساندرز بمدى قدرته على الفوز بمنصب الرئاسة، ضد مرشح جمهوري قوي، خصوصا أن تعبير «اشتراكي» الذي يستخدم عادة لوصف ساندرز، ليس له سوى دلالات سلبية في السياق الأميركي.

السؤال إذن، ما الذي يجعل كل هذه الأعداد الضخمة من الأميركيين، خصوصا الشباب، تؤيد مرشحا بلغ الأربعة والسبعين عاما وقد يواجه مشكلة حقيقية إذا ما أصر منافسه الجمهوري على أن يلصق به لفظ الاشتراكية؟ لا بد أن هناك أسبابا جوهرية تدعو هؤلاء لتأييده.

وللإجابة عن ذلك السؤال يحسن البدء بالإشارة إلى أن برني ساندرز بدأ حياته اشتراكيا بالفعل. فقد انضم وقت دراسته بجامعة شيكاغو للحزب الاشتراكي الأميركي وكان فاعلا فى حركة الحقوق المدنية ثم عمل، بالمناسبة، في أحد الكيبوتزات الإسرائيلية بعد تخرجه.

لكن ساندرز حين رشح نفسه للمناصب الانتخابية، أولا كعمدة مدينة، ثم نائب بمجلس النواب ثم عضو في مجلس الشيوخ، توقف عن استخدام لفظ الاشتراكية. وهو في حملته الراهنة يستخدم تعبير «الاشتراكية الديمقراطية»، أي الاشتراكية على الطريقة الأوروبية. وساندرز لا يخفي إعجابه بتجربة الدول الاسكندنافية في الاقتصاد والديمقراطية معا. وبرنامجه الانتخابي يقوم في جوهره على تبني أفكارها.

فهو يتحدث عن إعفاء التعليم والصحة من المصروفات مثل الدول الاسكندنافية ويتعهد بإصلاح النظام السياسي الأميركي الذي صار أسيرا لجماعات المصالح القوية وأصحاب الملايين عبر إصلاح النظام الانتخابي وتحريره من قبضة المال الخاص. وساندرز رفض تمويل حملته الانتخابية بتلك الطريقة إذ تأتي أموالها من تبرعات صغيرة لا تزيد عن الثلاثين دولارا للفرد.

كل تلك الأمور معا هي التي تجيب عن سؤال توني بلير عن مؤيدي ساندرز، خصوصا أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق اعتبر حجم الدعم الذي يتلقاه ساندرز معناه الابتعاد عن الوسط السياسي الذي كان هو وبيل كلينتون يمثلانه أثناء حكمهما للبلدين.

فمؤيدو ساندرز من الشباب لا يعنيهم سنه ولا ما إذا كان اشتراكيا. فهم ولدوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وليس لديهم ما لدى الأكبر سنا من دلالات سلبية لألفاظ مثل الاشتراكية.

فما يعنيهم هو أن ساندرز يتحدث مطولا وبالتفصيل عن الديون الملقاة على عاتقهم بسبب مصروفات التعليم الجامعي التي صارت باهظة للغاية. وفي استطلاع للرأي، استهدف الشباب بين 18 و35 عاما، اتضح أن أكثر من نصفهم يعتقدون أن مستقبلهم «سيكون أسوأ من حال آبائهم».

فحوالي 40 مليون شاب أميركي يعانون من ديون التعليم التي يسددونها بعد تخرجهم. والحلم الأميركي، المرتبط بالأساس بشراء منزل، صار بعيد المنال إذ تقول كل التقارير الرسمية الأميركية إن شراء العقارات، خصوصا من جانب الشباب، في أقل معدلاته خلال نصف القرن الأخير.

والذين يؤيدون ساندرز من الأكبر سنا، لا يثقون في هيلاري كلينتون ويعتبرونها قريبة للغاية من دوائر المال المتحكمة في العملية السياسية. ثم إنهم يرفضون السياسات «الوسطية» لبيل كلينتون وتوني بلير، التي يعتبرونها المسؤولة عن ارتفاع معدلات الفقر بعد تعديل كلينتون لقانون الرفاهية الاجتماعية.

ورغم أن سياسات ساندرز الخارجية لا تختلف بشكل كبير عن الكثير من الديمقراطيين، إلا أن موقفه الواضح بشأن ضرورة إعطاء الأولوية لقضية الاحتباس الحراري فضلا عن معارضته لاتفاقات التجارة الحرة تمثل أولوية لدى مؤيديه.

لكن المفارقة ذات الدلالة المهمة هي أن العامل الذي سيحسم ترشيح الحزب الديمقراطي لصالح كلينتون أو ساندرز سيكون على الأرجح أصوات السود الأميركيين الذين سيلعبون دورا أكثر أهمية بكثير في انتخابات الولايات التالية في السباق الانتخابي خصوصا في الجنوب.

فساندز، الذي يأتي من ولاية فيرمونت ذات الأغلبية الساحقة من البيض ليس له حضور قوي لدى الناخبين السود. ولا تزال هيلاري كلينتون، حتى كتابة هذه السطور، تتمتع بتأييد أغلبية واضحة بينهم رغم وقوف رموز سوداء مهمة في صف ساندرز.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات