يتحفني الصديق سيف العليلي، المدير التنفيذي لمؤسسة دبي لمتحف المستقبل، كل يوم برسائل تحمل عناوين مثل؛ «مستقبل المواصلات بمنظور أوبر»، و«مستقبل الزراعة والأمن الغذائي يقع على عاتق التقنية»، و«مستقبل الاتصال بالإنترنت ونقل البيانات عبر الشبكة؛ سرعات وأرقام لم نكن نتخيلها»، وغيرها من الرسائل النوعية المستقبلية التي أحرص على الاحتفاظ بها.
رغم عمليات التنظيف التي أقوم بها، كلما سنح الوقت، للتخلص من الصور ومقاطع الفيديوهات غير المفيدة، التي تضغط على ذاكرة الهاتف المتحرك، والتي هي الأكثر تداولا بين هواة التواصل الاجتماعي من مستخدمي الهواتف المتحركة، عبر تطبيق «واتس آب».
من الرسائل التي استرعت اهتمامي، رسالة تتحدث عن أفضل المهن بعد عقد من الآن، تتوقع أن تكون بعض أفضل المهن هذه الأيام غير متاحة بعد عقد من الآن، حيث ستحل محلها الآلات والخوارزميات، لكنّ سوق العمل سوف تنتج مهنًا جديدة عندما تتخلص من المهن القديمة، ويتنبأ بعض المستقبليين بالمهن الجديدة التي قد تكون متاحة بعد عشر سنوات، منها فنيون للمنازل الذكية، حيث ستصبح القيمة الاسمية لصناعة إنترنت الأشياء بعد نصف عقد من الآن حوالي 19 مليار دولار.
وستتوفر سوق ضخمة لفنيي تركيب المنازل الذكية، ومهن لمصممي تجارب الواقع الافتراضي، لأن إنترنت الأشياء عندما يغزو المنازل سيحمل معه المزيد من استخدامات الواقع الافتراضي، سواء في العمل أو الألعاب، لذلك سيكون هناك متخصصون في تجارب هذا الواقع، يقومون بتصميم وتنفيذ هذه التجارب في جميع مجالات العمل، والراحة، والتسلية، والأعمال، والسفر، والتسوق، وأشياء أخرى.
هذه الوظائف المتوقع رواجها، وغيرها مما قد لا يخطر على بالنا، تدعونا إلى التريث في تحديد مستقبل أبنائنا المهني، ونوعية التخصصات التي ننصحهم بدراستها، لتلبية احتياجات سوق العمل المستقبلية التي من الصعب التكهن بها، في ظل هذا التسارع غير المسبوق في تقدم العلوم والتكنولوجيا.
مما قد يجعل بعض تكهنات المستقبليين غير دقيقة بعد سنتين أو ثلاث من الآن، ويفرض عليهم إعادة حساباتهم لتزويدنا بقائمة جديدة من المهن المطلوبة، الأمر الذي يتطلب منا الابتعاد عن القلق، والتريث في تحديد المجالات التي على أبنائنا الاتجاه إلى دراستها، وفقا لمتطلبات سوق العمل بعد عقد أو أقل من الآن.
أذكر أننا عندما كنا أطفالا، مع بدايات دخول أجهزة التلفزيون بيوتنا، وكانت القنوات التلفزيونية المتاح لنا مشاهدتها وقتها لا تتجاوز الأربع، بعد انضمام تلفزيوني «أبوظبي» و«الكويت من دبي» إلى «تلفزيون الكويت» الذي تفتحت مداركنا على برامجه، وتلفزيون «أرامكو» الذي كان يبث من المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، والذي عرفنا من خلاله المسلسلات الأميركية المدبلجة، حيث كان يصلنا إرسالهما عندما ترتفع نسبة الرطوبة في الصيف، وينقطع مع انخفاض نسبتها في الشتاء.
وقتها، عندما كنا نجلس متحلقين حول جهاز التلفزيون الوحيد في المنزل، وكان الانتقال من قناة إلى قناة يتطلب أن يقوم أحد الجالسين من مكانه، ويذهب إلى الجهاز لتغيير القناة من موزع القنوات اليدوي ذي الخيارات المحدودة، وقتها كان أقصى أمانينا أن نستطيع التنقل بين القنوات دون أن نتحرك من أماكننا، ولم يكن يخطر ببالنا أن جهازا اسمه «ريموت كونترول» سوف يتم اختراعه لتحقيق حلمنا العزيز هذا.
اليوم أصبح بإمكاننا أن نتحكم في مفاتيح إضاءة غرف منازلنا، وتشغيل أجهزة التكييف فيها وإطفائها، ومعرفة ما تحتويه أجهزة حفظ الأطعمة فيها، ونحن جالسون في مكاتبنا، على مسافة مئات الكيلومترات من هذه المنازل، عن طريق أجهزة الموبايل التي نحملها في أيدينا.
ونستطيع من خلالها أن ندير أعمالنا، ونراقب أطفالنا، ونعرف ما يحدث في جهات العالم الأربع، وننقل أموالنا، ونقطع تذاكر سفرنا، ونحجز غرفنا في فنادق البلدان التي سنسافر إليها، كل هذا بفضل التقنية التي سهلت علينا أشياء كثيرة في حياتنا، لكنها صعّبت أشياء أخرى، منها تربية أبنائنا الذين فتحت أمامهم عوالم لا نريدهم أن يدخلوها وهم في أعمار مبكرة، لم ينالوا بعد حظهم من النضج والمعرفة، أو نعتقد نحن ذلك، لأننا لم نكن نستوعبها عندما كنا في مثل أعمارهم.
عندما فازت دولة الإمارات بتنظيم معرض «اكسبو 2020» في شهر نوفمبر عام 2013، سألتني إحدى طالبات الدراسات العليا، وكانت تحضّر رسالة الماجستير في مجال الإعلام الاقتصادي، عما إذا كانت دبي ستستخدم وسائل التواصل الاجتماعي «تويتر» و«إنستغرام» و«فيسبوك» في الترويج لأنشطة المعرض عندما يقام بعد سبعة أعوام، فأجبتها: وهل تعتقدين أن هذه الوسائل التي تهيمن على الساحة الآن ستكون لها الحظوة نفسها عام 2020؟ ومن يضمن لنا ألا تكون هناك وسائل أخرى تزيح هذه الوسائل عن الواجهة؟
وقتها، وفي شهر نوفمبر من عام 2013 نفسه، كان «إيفان شبيغل»، الرئيس التنفيذي لتطبيق «سناب شات» الذي مضى على اختراعه عامان، يرفض العرض المقدم للاستحواذ على تطبيقه من شركة غوغل، بقيمة 4 مليارات دولار أميركي، بعدما تلقى عرضًا آخر من قبل «فيسبوك» بقيمة 3 مليارات دولار، إيماناً منه بأن قيمة تطبيقه سترتفع في المُستقبل، نتيجة النمو المتزايد الذي يحققه التطبيق، فماذا يحمل لنا المستقبل من تطبيقات؟
وتبقى المواءمة بين إيجابيات ما تحمله التقنية، بكل ما توفره لنا من تسهيل أمور الحياة، وبين سلبياتها التي تربك حياتنا الاجتماعية، وتشعرنا بالقلق على مستقبل أبنائنا، تبقى هذه المواءمة هي المعادلة الأصعب، كي نشعر بالأمان الذي نحتاجه أكثر من الرفاهية.