كان الصمت المهيب يلف القاعة المترامية الأطراف وصوت واثق يسترسل في كلمته: «المؤسسة العسكرية في ذاك الوقت أيام اجتياح الكويت طلبت عدداً معيناً من السيارات، سألنا عدداً من الشركات في السوق، لكن حبيت أذكر شخصاً اسمه عبد الله المسعود، عندما طلبنا نشتري منه 4000 سيارة قال العدد عندي، والرقم الثاني بعد جاي، سألناه: بكم؟.

قال: خلوني أؤدي واجبي، هذا حق لازم أدفعه لدولتي من دون مقابل» هذا الموقف حدث قبل ربع قرن، ومكان ذكره كان في القمة الحكومية بحضور قيادات عالمية وعربية وآلاف المشاركين، والمتحدث كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة!

يتداعى للذاكرة أيضاً مقطع شهير لحوار صريح للمغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد وهو محاط بمجموعة من التجار وأعيان البلد في صير بني ياس عندما انبرى البعض وقال إنه سيبني ثلاث قاعات للزواج على حسابه الخاص.

فكان ردّ «بو خليفة» رحمه الله بعيد الرؤية وعميق الحكمة وهو يقول: «ما نريد أنت تبني ثلاثة وأنا أثنينه، نريد الكل يتشارك واللي بيدخل معاك حياه الله»، كان يريد تعزيز المشاركة والمساهمة في البناء بهدف خدمة المجتمع، ولم يتردد رحمه الله عن الثناء على مبادرته لتشجيع البقية وأن يتقدمهم بفعل الخير، فأردف ذلك وهو يقول: «أنا شكرته وصافحته وعساه يكون قيدوم التجار ويحذون حذوه».

كانت نبرة صوته غفر الله له ترتفع بحرقة وهو يقول: «اللي ما بيساعد أهله ومجتمعه وهو قادر.. هذا وين ساير؟»، وردّد بيت أبي الطيب المتنبي: ( عجبتُ لمن لهُ قَدٌ و حَدٌ.. و ينبو نبوة القظم الكهامِ)، ففي عُرْفِ زايد أن: «مساعدة الناس واجب من ربه وواجب لإخوانه واللي بيقصر عن أداء الواجب فهذا من ردى حظه.

لأن الله سبحانه عندما يُنْعِم على عبد بالمال فذلك حتى يأخذ نصيبه ويرزق الناس منه»، فالأموال تُعطى من الله لأجل أن ينفق منها للمحتاج والمعسر، و لا خير في ثريٍ يكنز الأموال وحوله أناس يمنعهم التعفف عن السؤال، ولا فائدة من شخص لا نرى له مساهمات «توازي» تلك الثروات من أجل دعم النهضة في بلاده وفتح أبواب خير للناس فيه.

كنت أقرأ قبل ليالي بصحيفة الفايننشال تايمز خبر تبرع فيليب نايت رئيس شركة Nike بمبلغ 400 مليون دولار لبرنامج البعثات في جامعة ستانفورد الأميركية لمنح برامج في القيادة الحديثة للطلاب من شرق وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية.

وذلك كما يقول حتى يكون الجيل القادم في هذه الدول قادراً على الأخذ بيد بلاده لمواجهة تحديات المستقبل وكان قبلها قد تبرع بمبلغ 200 لجامعة أوريغون التي درس بها، ولا بأس أن نذكر طَرَفاً من قصص مشابهة عل وعسى أن نرى مثلهم ومثل عبد الله المسعود في بلادنا بصورة أكثر.

فأندرو كارنيغي عام 1901 تبرع بما قيمته 350 مليون دولار أي قرابة 90% من ثروته للأعمال الخيرية التي كان منها بناء جامعة Carnegie Melton University، وتشارليز فريني الأيرلندي، أول من بدأ المتاجرة في الأسواق الحرة بالمطارات، حَوَّل مبلغ بيع حصته في شركة DFS Group و البالغة 4.1 مليارات دولار لمؤسسة خيرية هي Atlantic Philanthropies وطيلة التسعينيات كانت جامعات ومعاهد ومستشفيات تتلقى الملايين معونات دون معرفة مصدرها قبل أن يُكتشف لاحقاً أنها منه.

فريني هذا كان يقول كما قال زايد:« لديّ عقيدة لا تتغيّر بأن المال الذي تملكه لا بد أن تساعد به الناس»، لذا لم يكن مستغرباً أنه لا يملك سيارة ولا منزلاً باسمه ويسافر على الدرجة السياحية ولا يزيد سعر ساعته عن 15 دولاراً!

تكثر الأسماء ونرى والتر أننينبيرغ السفير الأميركي السابق ببريطانيا وقد تبرع بمليار دولار عام 1993 لدعم المدارس الأهلية بأميركا، وتوماس بون بيكنز المصرفي الشهير وقد تبرع بنصف مليار دولار لجامعة ولاية أوكلاهوما، بينما تتبرع مُلّاك مجلة Readers’ Digest بمبلغ 424 مليون دولار لمتحف الفن The Met في نيويورك.

ولا يقتصر الأمر على رجال الأعمال وكبار الساسة بل حتى نجوم الفن والغناء لهم مساهمات كبيرة في مجال الأعمال الخيرية، فمايكل جاكسون مثلاً تبرع بما مجموعه 350 مليون دولار لعدد 39 جمعية خيرية.

نقول لمن يمتلك المال بأن يبارك الله له في ما يملك، ومن نال ما نال بجهده وكدّه سعة تفكيره جدير بأن نصفق له ونشير إليه كونه قصة نجاح نتمنى أن نرى مثلها الكثير بين أبناء الوطن، و لكن «ولكن هذه لا تَجُب ما قبلها».

وعلى كل صاحب مقدرة أن يقف مع بلده ومجتمعه بحجم ما يمتلك من إمكانات، فلا يُخرج الثري من دوره الملزَم به تجاه وطنه أن يبني مركزاً لتحفيظ القرآن الكريم، فأوجه الخير كثيرة والأولويات تُقدَّر بقدرها، والمساجد بحمد الله ومراكز التحفيظ كثيرة .

لكننا نحتاج لمن يتبرع ببناء معاهد متخصصة ومدارس حديثة ومستشفيات في القرى البعيدة ومساكن للأُسَر المتزايدة، فالحكومة لم تقصر و لن تقصر، ولكن من حق الوطن على أثريائه الذين غرفوا من خيره ومنحهم تسهيلات ومزايا لا توجد في بقية العالم أن يردوا ماله من دَين في رقابهم، فليس من المعقول أن نطلب من الحكومة أن تحل كل شيء بينما أصحاب المليارات لايساعدون إلا من رحم الله!