خلافاً لمعظم خلق الله من الدول، جرى وضع التصور الأولي لإقامة إسرائيل الدولة في الدوائر الأيديولوجية والسياسية لعالم الغرب على جانبي الأطلسي، ثم شق هذا التصور طريقه إلى التطبيق العملي، عبر سطوة هذه الدوائر في أروقة صناعة القرار الدولي، ولا سيما إطاري عصبة الأمم والأمم المتحدة على التوالي. يعرف المنصفون من أهل الاختصاص أن عملية تصنيع هذه الدولة وولادتها على هذا النحو، قد شابتها في كل الأطوار عيوب تاريخية، وأخلاقية، وحقوقية بينة. ونحسب أن هذا العوار هو العلة الأساسية في اندلاع الصراع الدامي على أرض فلسطين وجوارها، وهو أيضاً أحد أهم أسباب تمرد المولود ضد أية تسوية عادلة لهذا الصراع.
تقديرنا في كل حال، أنه لا حاجة للمزيد من الجهود السياسية والقانونية التفاوضية لإنجاز تسوية ذات مقبولية وصدقية معقولة للقضية الفلسطينية، فما من صغيرة وكبيرة من تفصيلات هذه القضية إلا قتلت بحثاً وتفاوضاً، وحظيت بوصفات علاجية من لدن أطر العالم، وعلى رأسها الأمم المتحدة؛ التي تم تدشين إسرائيل بين يديها، لكن عقوق تل أبيب وانفلاتها الحقوقي، وإفلاتها من العقاب، أحبط الأخذ بهذه الوصفات.
المثير للسخرية في هذه المعطيات أن رفض الإسرائيليين لا يتعلق فقط بقرارات هذه المنظــــمة الأممية، على الرغم من فضائلها في قيام دولتهم، وإنما يستطرد إلى كل المبادرات المعطوفة علــــى إيجاد تسوية للقضية الفلسطينية لا تخرج من عبـــاءتهم وحدهم بلا شريك، والرفض والعصيان هنا يعد موقفاً مبدئياً وثابـــتاً من ثوابت المفاوض الإسرائيلي.
ضمن مثلات هذه المهزلة، يمكن التذكير بالمواقف الإسرائيلية السلبية من مبادرة السلام العربية، وكذا من المقترح الروسي قبل سنوات لإحياء فكرة المؤتمر الدولي الفاعل، ومن المساعي الفلسطينية والعربية الراهنة لأعمال هذه الفكرة أو لإعادة إلقاء ملف التسوية في حجر مجلس الأمن، ومن المداخلات الأوروبية بصيغتيها الاتحادية والقومية وآخر نماذجها المقترحات الجاري إعدادها من جانب فرنسا.
تود إسرائيل مــــن كل المعنـــيين بالصراع والتسوية على أرض فلســطين، عرباً أم عجـــــماً كانوا، أن يبتلـــعوا ألسنتهم، تاركـــين حبـل جــــرائمها ضـــد الشرائع والقوانين الــــدولية وانـــتهاكاتها لحقـــوق الفلسطينيين على الغارب.
الأصل في القوانين الدولية والمنظمات العاملة عليها، هو تنظيم العــــلاقات والتعاملات الدولية، وفقاً للمبادئ والقواعد والنصـــوص التي تلاقت عليها وتراضت غالبية الأمم والشعوب، ولو أن عالمنا أخذ بالقناعات والمثل الفكرية الصهيونية الإسرائيلية، الساعية لابتداع قوانين ومنظمات دولية خاضعة للسياسات والأهداف والأهواء الذاتية، لأصبحت لدينا قوانين ومنظمات بعدد الأمم والشعوب، ولفقد مفــهوم «تدويل» هذه الأطر معناه ودلالته.
إن القبول بمــــبادرات ومداخلات القوى الساهرة على تنـــفيذ القـــوانين الدولية؛ المهمـــومة بإقـــرار السلم والأمن في هذا العالم، تنظـــيمات دولية كــانت أم دولاً، ليس شأناً أو عملاً اختيارياً قابلاً للخـــصخصة والاستثــناء، وإنما هو أمر ملزم لكل أعضاء المنظومة الدولية.
ويلاحظ، مثلاً، تطــــبيق الــقرارات «الدولية» غداة صدورها، لا يتوقف على إرادة الطرف المـــعني بــــها ومدى رضائه عنها. لنتذكر هنا بكل أسى، كيف أن الرفض الفلسطيني والعربي لقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، لم يحل دون اعتــــماده دولياً والاســـتناد إليه في قيام إسرائيل ذاتها.
قناعتنا أنه ليس بعد تنحية شرعتي القانون والنظام، ونبذ جهود وسطاء السلام، سوى انتشار الفوضى وشرعة الغاب وتفشى أنماط التطرف، ويصدق ذلك على أحوال الاجتماع السياسي داخل المجتمعات، كما يصدق على العلاقات بين الدول.
لن نطمئن إلى انطلاق مسيرة التسوية الفلسطينية، ما لم تصل هذه القناعة إلى الإسرائيليين، أصحاب نظرية «الشركاء والوسطاء يمتنعون»، وإلى الداعمين من ورائهم لهذه النظرية المعيبة.