لا يمكن تحديد الانتماء الزائف إلا بتحديد نقيضه، أي الانتماء الحقيقي. وليس لنا في مقالة محدودة أن نتحدث عن الانتماء بكل أشكاله، وليس هذا ما نهدف إليه، بل هدفنا أن نحدد الانتماء إلى الوطن والأمة والدولة وكيف يتحول المنتمي موضوعياً إلى هذه الثلاثية إلى شخص ينتمي أيديولوجياً إلى ما يناقضها، أو إلى عالم آخر لا ينتمي إلى الوطن والأمة والدولة.
الانتماء الوطني هو شعور الفرد بهوية وحب تجاه الوطن الذي يعيش فيه بكل ما يحمله الوطن من معنى ثقافي وأخلاقي وجغرافي، وهذا الشعور، من حيث المبدأ، شعور ثابت لا يتغير، وتترتب عليه جملة من الواجبات تجاهه. بل إن هذا النمط من الانتماء يبدو أقرب إلى الطبيعة الثابتة. فإن تكون عربياً إماراتياً يعني أن تكون منتمياً إلى وطنك دون تردد وتقوم بواجبك تجاهه بوصفك متحداً به اتحاداً كلياً، وقس على ذلك إن كنت مصرياً في علاقتك بمصر الخ.
يترتب على هذا الانتماء انتماء آخر هو الانتماء إلى الدولة التي تحمل جنسيتها وتشعرك بالمواطنة، فالجنسية هي انتماء شعوري ونفسي وموضوعي وحقوقي، ولا يتحقق انتماء كهذا دون الانتماء إلى الوطن.
هذا الانتماء للوطن وللدولة انتماء كلي مهما كان هناك من اختلاف ديني أو مذهبي أو إثني.
أما الانتماء القومي، حيث يتطابق القومي والوطني في أغلب دول العالم، ولكنه في عالم العرب ينطوي على تمايز دقيق مع الانتماء الوطني، أقول أما الانتماء القومي فهو شعورك بالانتماء إلى أبناء قومك الأوسع، والتعاطف معهم في السراء والضراء.
فمن الطبيعي أن يتعاطف الإماراتي مع الفلسطيني ويتعاطف معه ويتبنى قضيته، انطلاقاً من الرابطة القومية العربية، ومن الطبيعي أن يتعاطف الفلسطيني مع حق الإماراتي في جزره المحتلة: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى وهكذا. هذا باختصار هو الولاء الحقيقي.
أما الانتماء الزائف فهو على النقيض مما سبق وعرضنا، حيث يكون الانتماء للسلطة دون الوطن أو للمذهب دون الوطن، أو لأيديولوجيا مناقضة لمصالح الوطن، أو لدول أخرى.
فالانتماء إلى مذهب ديني فقط والنظر إلى المصلحة انطلاقاً من هذا المذهب حتى لو كان في ذلك ضرراً للوطن وللأمة فهو انتماء زائف جداً، لأن الانتماء إلى الوطن إما أن يكون كلياً أو لا يكون. ولا يجوز أن يكون أي انتماء داخلي لهوية ما مناقضاً للانتماء الوطني.
ويزداد الانتماء زيفاً حين يُربط الانتماء بالسلطة ويغدو هو جوهر الانتماء لجماعة من الجماعات، فإذا زالت السلطة زال الانتماء، فالسلطة عامل متغير فيما الوطن واقع ثابت.
أما انتماء جماعة أو أفراد يعيشون في وطن ويكتسبون صفاتهم من وطنهم وحقوقهم من دولتهم ويكون انتماؤهم لدولة أخرى فهذا أكثر الانتماءات زيفاً وخطراً على الوطن.
وكي لا يكون كلامنا مجرداً، نسأل الآن من وحي المرحلة التي نعيش: ما هو الانتماء الحقيقي لحزب الله وإلى أي الأوطان والدول ينتمي ؟
في الممارسة العملية، بالرغم من إن حزب الله حزب لبناني، لكن انتماءه العملي هو للمرشد الإيراني وللسلطة الإيرانية، بل هو جناح عسكري - سياسي من أجنحة «الحرس الثوري الإيراني». وقس على ذلك أمر الحوثيين، والميليشيات في العراق. وهذا الانتماء الزائف خطر على أوطاننا ولا شك، لأنه مؤسس على الانتماء المذهبي وليس الوطني.
فيما داعش وأخواتها تنتمي إلى الإيديولوجيا وليس إلى الأوطان وبالتالي ليس للأوطان قيمة أصلاً بل القيمة للأيديولوجيا التعصبية التي تعلنها وتعلن بأنها تقاتل من أجل تحقيقها.
يظهر خطر هذا الانتماء الزائف أكثر ما يظهر بسبب أن كل انتماء يخلق نوع الولاء المطابق له، فالانتماء إلى الوطن يخلق الولاء للوطن، والانتماء للمذهب فقط يخلق الولاء للمذهب وقس على ذلك الانتماء إلى دولة أخرى يخلق الولاء لها وهكذا.
والحق إن على الخطاب الثقافي العربي أمام مسخرة الولاء الزائف هذا، والمنتشرة هذه الإيام، أن يعيد الاعتبار لفكرة الوطن والوطنية والمواطنة والرابطة العربية كي نعيد الانتماء والولاء إلى معناه الحقيقي.