الحل الأمني في سوريا

ت + ت - الحجم الطبيعي

في لقاء جمعه مع وفد نيابي روسي زاره في دمشق، تعطف وتلطف بشار الأسد وتنازل فتحدث عن الحل السياسي، وحدد الشروط التي يرى أنها ضرورية لتحقيقه.

قال صاحب الحل الأمني الذي أوصل بلادنا إلى الهاوية وكاد يكلفها وجودها ذاته، إن الحل السياسي الذي يسعى إليه مع روسيا يعني القضاء على الإرهابيين، وعلى رأسهم تنظيم «داعش»، وأضاف: إنه قد يرشح نفسه بعد انتهاء ولايته الدستورية، اي بعد مضي خمسة اعوام من الآن، إذا لم تكن هناك اغلبية شعبية تعارض ذلك.

أخيراً، أطلق بشرى سيطير عقل الشعب لها من الفرح، هي أنه مستعد للتعاون مع المعارضة الوطنية، التي اسماها الروس: «المعارضة البناءة».

هذا الكلام، الذي ليس غير تنويعات تضليلية على خطة الأسد القديمة، يقول باختصار ودون مواربة: إن الحل الأمني، الذي لا بد ان ينتهي بالقضاء على الإرهابيين، وبالتالي على من تبقى من السوريات والسوريين، هو الحل السياسي الذي تريده روسيا وسوريا.

شخصياً، اعتقد أن الأسد فضح بكلامه حقيقة مشروع السلام، الذي يحاول جيش روسيا تنفيذه على أرضنا عبر القضاء على الجيش الحر باعتباره جيش «الإرهابيين»، الذين يعادل القضاء عليهم الحل السياسي.

ما هو الفارق بين الحل الأمني الذي دمر بلادنا وقتل شعبنا وبين هذا الحل السياسي. من الجلي انه لا فرق بين الاثنين، فالحل الأمني كان هدفه المعلن القضاء على المندسين ثم صار القضاء على الأصوليين وأخيراً على الإرهابيين، الذين يعادل القضاء عليهم في آخر تعريفاته «الحل السياسي».

يقول الأسد: إن هذا هو أيضاً فهم روسيا للحل السياسي، الذي ترى بدورها أنه يتساوى مع القضاء على الإرهابيين، ولا يعني أي شيء آخر كبناء نظام ديمقراطي أو تلبية مطلب الحرية أو زوال النظام وإعادة هيكلة جيشه ومؤسساته الأمنية ديمقراطياً وقانونياً... الخ.

عندما سيتم القضاء على الإرهابيين، سيكون الحل السياسي قد تحقق، فما حاجة سوريا إلى تطبيق وثيقة جنيف، ولماذا تشكل هيئة حاكمة انتقالية، وتكون هناك ضمانات دولية، وبديل يضمن حقوقا متساوية للسوريين يبنى على المواطنة وليس على الاستبداد والمخابرات وجرائمهما؟.

لم يحدد الأسد أي موعد زمني للقضاء على الإرهابيين، ولم يلمح إلى الفترة التي سيستغرقها ذلك، وهل هي ثلاثين عاما كما قال اوباما، أم ثلاثة آلاف عام كما يريد هو، لكنه أخبرنا أنه سيقبل ترشيح نفسه لفترة رئاسية جديدة بعد القضاء عليهم، إذا لم تعارض ذلك أغلبية شعبية كبيرة. ليس هناك ذرة شك واحدة لدى الأسد في أن هذه الأغلبية بقيت موالية، ولو لم تبق موالية له لما وافقت على قيامه بقتلها قصفاً، ورمياً بالرصاص، واعتقالاً، وتعذيباً، ومطاردة، وتشويهاً، وتجويعاً، وحصاراً... الخ.

سأل صحافي حافظ الأسد ما إذا كان بشار سيرث السلطة ويصير رئيسا، فأجاب: انه لا يفكر بالرئاسة، لكن اغلبية «الشعب» تحبه وتريده رئيساً، وهو لا يفكر بغير خدمتها.

كذّب بشار ابيه فيما يتعلق بهوسه بالسلطة، ولم يستعن بالشعب للوصول إلى الرئاسة، بل استعان بضباط الحرس الجمهوري، الذين هددوا بقتل كل من ينافسه عليها وأجبروا عبد الحليم خدام، صاحب الحق الشرعي فيها، بالتنازل عنها، وبعدئذ، تذكرت آلة الكذب تصريح الأب، وادعت أن إرادة الشعب هي التي أوصلت بشار إلى الرئاسة، الذي لم يكن راغباً فيها.

ما الذي سيمنع الأسد من تكرار اكذوبة أبيه، وسيحول دون انصياعه مرة اخرى «لإرادة الشعب»، وترشيح نفسه للرئاسة من جديد، إذا كان قد نجح هو وروسيا في القضاء على الإرهابيين، أي حملة هذه الإرادة بالذات ؟.

يبقى أن الأسد من يخال نفسه حاكم سوريا الأبدي يوافق على منح دور للمعارضة الوطنية، فينبهه الروس إلى أنها يجب أن تكون بناءة أيضا.

يلفت النظر أن الرجل الذي لا يريد «شعبه» شيئا من دنياه غير اسقاطه والتخلص منه، يتوهم أن السلطة لا تجوز لغيره، وانه لن يكون للسوريات والسوريين من دور غير الذي يمنحه هو لهم، ولكن... بعد القضاء عليهم كإرهابيين!.

ماذا تعلم الأسد من ثورة حولته إلى سجين يخشى الخروج من مخبئه، لكنه ما أن زاره بعض الروس حتى توهم انه استعاد مكانته، وابلغ سامعيه انه ما زال ذلك المجرم، الذي قتل شعبه، لأن أغلبيته أمرته بذلك ضد اقلية «إرهابية» تمردت عليه، ما ان يقضي الروس عليها حتى يعود كل شيء إلى وضعه الطبيعي، فيستعيد هو رئاسته بإرادة الشعب، الذي سيكون جد سعيد بالرضوخ لطغيانه!.

طباعة Email