نجاح باهر في بناء علاقات قوية وشراكات استراتيجية مع دولة كبيرة ذات تأثير وحجم كبير. هذا هو العنوان المناسب للزيارة الرسمية التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لجمهورية الهند، وهي زيارة ستكون لها آثارها القريبة والبعيدة على العلاقات الهندية الإماراتية، التي تشهد نمواً وازدهاراً، وتحظى باهتمام البلدين.

أثناء الزيارة، نظم المجلس الوطني للإعلام، لرؤساء تحرير الصحف المحلية ومدراء القنوات التلفزيونية والإذاعية المرافقين للوفد الرسمي، جلسة نقاش مع أكاديميين هنود بارزين من كلية الدراسات الدولية بجامعة «جواهر لال نهرو» في نيودلهي.

وهم أساتذة متخصصون في الشؤون الدولية والأمنية، حضرها مجموعة من طلبة الكلية، شاركوا هم وأساتذتهم في الجلسة بفاعلية كبيرة، وأبدوا آراء مهمة، تعطي مؤشرا عن الزاوية التي ينظر إلينا من خلالها غيرنا، خاصة جيراننا القريبين منا جغرافيا، الذين نعتقد أنهم قريبون منا في المواقف أيضا، فاكتشفنا أن بعض قضايانا لديهم ملتبسة، يلعب إعلامهم والإعلام الغربي دورا في التأثير على عقولهم وطريقة تفكيرهم، فتصل إليهم مشوشة غالبا، ومشوهة أحيانا.

الأمر الذي يتطلب منا أن نسعى إلى توضيحها لهم، وأن نعمل على تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تتكون لديهم، بفعل سطوة الإعلام الغربي الذي يتأثرون به، رغم أن الذين حاورناهم كانوا من الأكاديميين وطلبة الدراسات العليا، الذين هم على درجة من الوعي تقتضي الحرص والدقة، فكان مهماً أن نحاورهم، نظرا لما لهم من تأثير على الوسط الذي يعملون ويعيشون فيه.

في الحوار الذي امتد أكثر من ساعتين، تطرق الحديث إلى قضايا كثيرة، مثل الديمقراطية، والحرية، والتعايش بين الثقافات والأديان المختلفة، والإرهاب، والمرأة... فكانت هذه الموضوعات وغيرها عناوين طرحها الجانب الهندي من الزاوية التي يراها من خلالها.

وهي زاوية متأثرة بما يكتبه ويبثه عنها إعلامه المحلي والإعلام الغربي، وكانت الردود عليها من الجانب الإماراتي مقنعة ومبينة، أوضحت الكثير من الحقائق، وأزالت الكثير من التشويش والمغالطات التي يبثها الإعلام غير المحايد عنا، فتصل إلى المتلقين بصورة مشوهة، في الوقت الذي نظنها نحن واضحة لديهم.

كما تطرق الحديث إلى بعض الأحداث التي تجري في المنطقة، مثل حرب اليمن، والحرب على «داعش» وغيرها من التنظيمات الإرهابية المسلحة التي تتستر بالدين، وتتخذ منه غطاء لممارسة الأعمال الإجرامية التي تقوم بها للوصول إلى أهدافها.

من خلال الحوار الذي اتسم بالصراحة، وابتعد عن المجاملات التي عادة ما تتصف بها مثل هذه الزيارات، اتضح لنا أن هناك بعض المفاهيم الخاطئة لدى محاورينا، الذين نعتقد أنهم الأقرب إلينا ثقافة وفكراً، خاصة وأن بعضهم مسلمون مثلنا، لكنهم يفكرون بطريقة مختلفة عما كنا نعتقد، وهي طريقة نستطيع القول إنها لا تصل إلى درجة الاختلاف الكامل.

لكنها لا تصل أيضا إلى درجة الاتفاق التام، وهذا طبيعي، لكنّ من واجبنا أن نسعى إلى تغيير الصورة التي يشوبها لديهم بعض اللبس وعدم الفهم الصحيح لحقيقة الوضع، وأن نعمل على تصحيح الأفكار التي بنوا عليها آراءهم وأحكامهم، كي لا يوغلوا في الابتعاد عنا، فنخسر أصدقاء محتملين، من السهل أن يتحولوا إلى المعسكر الآخر إذا لم نتدارك الأمر عاجلاً.

حين نتحدث عن الشعب الهندي، فنحن نتحدث عن شعب تربطه بالإمارات علاقات ذات خصوصية مختلفة عن الشعوب الأخرى، فالجالية الهندية هي الجالية الأكبر عدداً من بين كل الجاليات المقيمة على أرض دولة الإمارات، وعلاقتنا بالشعب الهندي تمتد إلى ما قبل مرحلة النفط، بمعنى أن الوفرة المالية التي أتت مع اكتشاف النفط لم تكن هي الدافع الأساسي لقيام مثل هذه العلاقة، مع الاعتراف بأن اكتشاف النفط، وتوفر فرص عمل أكبر في الإمارات.

قد أديا إلى توافد الكثير من أبناء الشعب الهندي إلى أرض دولة الإمارات، وفي دولتنا حكومة تعمل بشفافية تامة، لا تخفي الأرقام ولا تزوّرها كما تفعل بعض الحكومات، ولا تدفن رأسها في الرمال، لأنها حكومة واثقة من نفسها ومن شعبها، لا تترك شيئاً للصدفة.

وإنما تخطط لكل شيء بدقة، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتعمل على تحقيق التعايش بين جميع المقيمين على أرضه، وهي مهمة ليست سهلة، في ظل عدد جنسيات المقيمين على أرض دولة الإمارات الذي يربو على مئتي جنسية، وفي ظل الظروف التي تعيشها المنطقة، والأطماع التي تحيط بها، وتقلب المناخ السياسي والأمني الذي يهدد أمنها، ويكاد يعصف باستقرارها.

قيادة دولة الإمارات قامت بواجبها في مد جسور الصداقة والتعاون والعمل المشترك مع الدول البعيدة والقريبة، وعقدت الشراكات الاستراتيجية لتعزيز وتقوية الأواصر بينها وبين الدول الأخرى.

بقي علينا نحن الكتاب والمثقفين والإعلاميين والأكاديميين ورجال الأعمال وكل فئات المجتمع، أن نمد جسور الحوار مع شعوب هذه الدول من كل الفئات، لتصحيح المفاهيم الخاطئة لدى البعض منهم، خاصة في الدول الديمقراطية، مثل الهند التي تُعتبر أكبر ديمقراطية في العالم، بناخبين يبلغ عددهم أكثر من 800 مليون ناخب، ومع النخبة منهم خاصة، لما لهذه الفئة من تأثير على الناخبين.

وقد لمسنا لدى الأكاديميين والطلبة الذين حاورناهم في كلية الدراسات الدولية بجامعة «جواهر لال نهرو» في «نيودلهي» استعداداً للحوار والفهم والاقتناع، لذلك نعتقد أن هذا دور مهم يجب أن نركز عليه في المرحلة المقبلة.