لم يفلح نهج التسويات المنفردة وبالقطاعي بين إسرائيل وكل طرف عربي على حدة، في تحقيق السلام الشامل وتصفية الصراع الإسرائيلي العربي. تأكد هذا الفشل حين ظل دولاب الصلح المصري الإسرائيلي يتحرك وحده طويلاً، بوتيرة باردة ومتثاقلة.

كما تأكد باندلاع سلسلة من جولات القتال الدامي بين إسرائيل وأطراف عربية أخرى، غير مصر، بما خالف فكرة القائلين بين يدي ذلك الصلح بأن حرب أكتوبر 1973 ستكون آخر الحروب الإسرائيلية العربية.

مثل عقد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط عام 1991، نوعاً من عودة الوعي بضرورة الانشغال بمفهوم السلام الشامل. وبفعل المشاركة الواسعة في ذلك المؤتمر، ثارت الظنون بصحة الآلية الجديدة ونجاعتها.

لكن موجة التفاؤل سرعان ما تبخرت عندما عادت إسرائيل سيرتها الأولى في معاكسة هذا المفهوم، وتم لها حشر عملية السلام في مسارات متعددة. واللافت أنها حققت بعض مراداتها حين أبرمت معاهدة أخرى للسلام المنفرد مع الأردن عام 1994.

الأكثر اثارة للدهشة هو نجاح المفاوض الإسرائيلي في تفكيك المسار الفلسطيني إلى عدة مسارات فرعية؛ بعدد القضايا والأبعاد التي تشملها قضية فلسطين، وذلك علاوة علي التمييز بين مفاوضات تخص الوضع الانتقالي وأخرى للمرحلة النهائية.

وداخل هاتين المرحلتين عرفنا نوعين من الانسحابات عن الأرض الفلسطينية؛ جرى أحدهما بالتوافق والتعاقد تحت عنوان غزة أريحا أولاً، وتم الآخر بخطوة إسرائيلية منفردة تحت عنوان إخلاء قطاع غزة.

في غضون هذه المقاربة، النابذة لوحدة الطرف العربي والرافضة لمفهوم التسوية الشاملة في صفقة واحدة، تمكن الإسرائيليون من ممارسة هواية التقافز بين المسارات واجتهدوا في مراكمة أقصى قدر من المصالح الذاتية، ومحاولات الوقيعة ليس فقط بين عرب وعرب، وإنما أيضاً بين فلسطينيين وفلسطينيين.

لكن النجاحات التي حصلوا عليها، في سياق هذه التسويات الجزئية، تبقى بدورها نجاحات جزئية. ففي التحليل النهائي، لا يملك هؤلاء ترف الادعاء بأن هذه التسويات قد أقعدتهم ودولتهم علي سكة السلامة طويلة الأجل، ولا ضمنت لهم الأمن بشكل لا يقبل النقد أو النقض.

لهذا ونحوه، وفيما يتصل بسيرورة التسوية الفلسطينية بالذات، لم يعد المرء مرتاحاً لفكرة الحلول المؤقتة والتسوية بالمفرق وآلية «الخطوة خطوة».

وإذا لم يكن هناك بد من هكذا آلية لأغراض وغايات عملية بحتة، فليكن ذلك على صعيد البرامج التنفيذية لتيسير التطبيق، وليس في غرف التفاوض وإبرام التعاقدات. التفاوض ينبغي أن يكون شاملاً وعلى كل شيء وبحضور دولي فاعل، وبلا أية تسويفات أو أوقات مستقطعة.

فبعد ربع قرن من تدشين عملية السلام، ترى ما هي القضايا والنقاط الخلافية التي مازالت بحاجة للإيضاح وبلورة المواقف واتخاذ القرارات؟. الأفضل للمعنيين أن يطاردوا شياطين التفاصيل المملة، وأن يضعوا التصورات الكفيلة بالقضاء عليها في المحافل التفاوضية، قبل أن تطاردهم هي وتهزمهم على أرض الواقع.

لا يحمل الأفق المنظور شارات توحي باحتمال تخلي الساسة الإسرائيليين عن خيار التسويات المرحلية ذات السقوف الموضوعية والزمنية المفتوحة. فهذا الخيار يمثل ثابتاً راسخاً في استراتيجيتهم التفاوضية، كونه سمح لهم مطولاً في تحقيق ما يعتبرونه إنجازات مجانية.

المثل الأعلى في هذا الإطار يتعلق باستمرار التوسع الاستيطاني وقضم المزيد من الأرض الفلسطينية عموماً، وديمومة العكوف على تهويد القدس بخاصة، بذريعة أنه لم يتم حسم جزئيتي الاستيطان والقدس بعد.

الشاهد أن تقطيع القضية الفلسطينية وإقحامها في مسارات ودهاليز متعددة، من البدع التفاوضية التي سمحت لإسرائيل بإنهاك الطرف الفلسطيني واستنزاف بعض حقوقه. وهذا أمر لا يتعين الوقوع في أحابيله مرة أخرى.