بافتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي للبرلمان المصري في هيئته الجديدة مطلع الأسبوع الجاري تكون مصر قد استكملت بالفعل مؤسساتها الدستورية والسياسية التي تؤشر لمرحلة جديدة من الاستقرار وربما الانطلاق نحو آفاق أرحب وأكثر استقرارا.

ولكن برغم ذلك لا يزال الإعلام المصري يتحفنا كل يوم بتجلياته الفريدة التي قد تضحك البعض ولكنها بالتأكيد تبكي الكثيرين لدرجة أنها باتت بالفعل مصدرا للإزعاج وصداعا في رأس القائمين على الأمر وكذلك القوى المجتمعية المختلفة، والحديث هنا عن الإعلام الخاص، والفضائي منه على وجه التحديد.

أما عن سرد وقائع تلك التجليات أو بعضها فقد يحتاج الأمر إلى صفحات وصفحات لعرضها بشيء من التفصيل، ولكن وقائع محدودة ومحددة قد تكفي للتدليل على أن هذا الإعلام لا يزال يخوض رحلة البحث عن هوية وميثاق شرفه الذي طال انتظاره ويمثل على أي حال المرحلة الأخيرة لخريطة الطريق التي أعلنت عنها القوى الوطنية المصرية يوم الثالث من يوليو عام 2013في أعقاب أحداث الثلاثين من يونيو من العام ذاته.

فمن فضائيات «التهييج والإثارة» إلى ظاهرة «المذيع الفتوة والمذيعة الصاخبة»، ومن برامج «النفخ في الرماد» إلى أحاديث «إثارة الفتنة» تتبدى سلبيات هذا النوع من الإعلام الفريد من نوعه، وأبرزها غياب القواعد المهنية العلمية والأكاديمية وانتفاء الحيادية وغياب الموضوعية في حالات كثيرة وتغليب المصالح الخاصة و«الشخصنة» إلى حد بعيد، وربما كان ذلك هو السبب في مقولة كاتب ومحلل بحجم وقيمة الأستاذ محمد حسنين هيكل بأن «حديث الجهل هو السائد في هذه المرحلة».

سيقول البعض إن ما يتم عرضه هو «الحقيقة» التي لا يجوز إخفاؤها وأن ما يبعث على الإحباط أو الاكتئاب ليس ما يعرض وإنما ما يجري على الأرض وما يتبع من سياسات، وأن الواقعية في أي شيء، الأدب أو السينما أو الدراما أو الإعلام، تقتضي عرض الوقائع والأحداث كما هي بدون تجميل أو تعديل أو تبديل.

هذا قول حق يراد به باطل، فالواقعية ليست في الأحداث الفردية أو الظواهر الثانوية ولا الوقائع الهامشية، وحتى تلك الموضوعات قد يكون لها أهميتها في بعض الأحيان ولكن أساليب المعالجة والتناول بكثير من الصراخ والعويل والنحيب قد تضيع أهميتها الملحة وكأنها سياسة ممنهجة أقرب ما تكون إلى تغييب القضايا المهمة للمجتمع في كل المجالات وفي كل القطاعات، بهدف تشتيت العقل الجمعي للمواطنين لصرفهم عن مواضيع حقيقية أكثر إلحاحا وأهمية.

ما يبعث على الاستياء أيضا أن هذا الحديث مستمر ومتكرر على أكثر من مستوى رسمي وشعبي ومنذ سنوات ليست بالقليلة ولا تزال التشريعات أو المواثيق والضوابط الكفيلة بكبح جماح هذا الانفلات المهني والسلوكي أحيانا غائبة رغم احتياج المجال الإعلامي والمجتمع بأكمله إليها لاستعادة شيء من توازنه.

فالعلاقات المجتمعية بين الكثير من طوائف وفئات الشعب المصري لا تزال مشوبة بالتوتر ومشحونة بالتربص المرضي الذي سرعان ما ينفجر في شكل مواجهات عنيفة غير مبررة ولا تحتاجها ولا تتحمل مصر المزيد منها في المرحلة الراهنة، وأغلب الظن أن الإعلام في شكله الراهن يلعب دورا في تفجيرها.

ونقول دوما إن معظم النار من مستصغر الشرر، وبذلك فالحذر واجب من توافه الأمور حتى لا تتحول الشرارة إلى نيران كثيفة وتتحول الحبة إلى قبة بتأثير النافخين فيها بقصد أو بدون وعي في مشاهد تضر ولا تفيد، أليس غريبا أيضا أن الإعلام المنوط به نقل اللغة الراقية ومنظومة السلوكيات والقيم الرفيعة إلى المواطنين ـ ولا نقول الوعظ والإرشاد والتلقين ـ أصبح المصدر الأساسي لدخول المظاهر الشاذة إلى بيوتنا؟

لا عيب في أن هذه الفضائيات دخلت عالماً غير مستعدة له بالكوادر المهنية والعلمية والتنظيمات والضوابط والمواثيق المجتمعية التي تكفل عمله بلا تجاوزات، ولكن العيب كل العيب أن تندفع نحو مزيد من التردي بدلاً من العمل على إصلاح الخلل.

ومن ذلك على سبيل المثال هذه العلاقة شديدة الالتباس بين الإعلام المرئي والمسموع والمقروء أيضا ومواقع التواصل الاجتماعي، فقد اندفع الإعلام بشكل جنوني نحو نقل كل محتوى مواقع التواصل إلى الشاشات، بغض النظر عما إذا كانت تستحق أو لا تستحق.

ومن ذلك مثلاً تلك «الزوبعة الإعلامية» الضخمة التي ثارت مؤخرا في مصر وعرفت باسم «السجادة الحمراء» وقد تفجرت على مواقع التواصل الاجتماعي وكانت موضع تعليقات من شباب «الفيس بوك» إلا أن الفضائيات أخرجتها للعلن بكثير من المبالغات، فقد حدث أن قام الرئيس السيسي بافتتاح وحدات سكنية جديدة وتم فرش سجادة حمراء سار عليها بسيارته، فتحولت الواقعة إلى مواجهة!

المهم في الأمر هنا أن تلك المواجهة من شأنها أن تصرف الانتباه إما عن إنجازات عظيمة تتحقق أو عن سلبيات حقيقية يمكن الخوض فيها، ولكن الفضائيات فضلت الخوض في هوامش ثانوية جرياً وراء المواقع، تماما مثلما فوجئنا بأحد البرامج يذيع فقرة عن جنازة قط ودفنه في صعيد مصر، أيضا نقلاً عن موقع إلكتروني، ليتبدل المثل ومعه نردد بمرارة «الجنازة حارة والميت قط»!