كان جاك ويلش الرئيس التنفيذي السابق لجنرال إليكتريكو الذي تم اختياره كأفضل رئيس تنفيذي في القرن العشرين يُحدثنا عن تجربته الثرية في عالم المؤسسات وتنافسيتها العالية، ولم يُعكِّر علينا صفو تلك اللحظات إلا شخصٌ متعالم كان يُقاطعه كثيراً لينقل له ما قاله المؤلف الشهير جيم كولينز في كتابه Good to Great في معارضة ما يقول، وبعد سابع مقاطعة «انفقعت مرارة» جاك ليقول لذلك المتحذلق: «يا عزيزي، إن جيم كولينز لم يسبق له أن أدار محل غسيل ملابس»!
محل غسيل الملابس نُسميه محلياً «الدوبي» و ذاك ما يُفسّر العنوان، وفعلياً فكم نحن بحاجة أن نستخرج شهادة عمل منه لبعض الفلاسفة قبل أن «يصدّق نفسه» ويطمع بما هو أعلى من ذلك بكثير كإدارة دولة «مرّة وحدة».
ومُبرّرهُ في ذلك بعض الكتابات التي تتصنّع بُعد الفكر ويروّجها دهاقنة الدجل والطامعين في قطعة من الكعكة المستقبلية ويصفق وراءها الجهلة وأشباه المتعلمين ثم يعتبروها نصاً مقدساً و«روشتة» لعلاج مشاكل الأوطان حتى وإن كانت لسطحيتها تريد علاج السرطان بضمادة الخدوش!
قبل أيام خرج علينا من طرده شعبه بعد 22 شهراً من الحكم الهزلي والتوهان التام الذي كاد يمزق تونس لعدة دول ويجعلها عُرضة للابتلاع من جماعات التطرف، وبدلاً من أن يعتذر عن «ضحالته» الفكرية وخوائه من القدرات السياسية التي تستحق إدارة وطن عظيم كتونس وشعبها المثقف، نجده يركب موجة الإخوان ويرمي نباله ضد الإمارات زاعماً أنها «عدوة الثورات» في سيناريو مألوف لزعماء الفشل بالهرب للأمام والبحث عن شماعة لفترة حُكمه المأساوية.
فالمنصف المرزوقي الذي كان علمانياً صِرفاً ثم أصبح إخوانياً فجأة لم يكن مُنصفاً ولم يُرزَق المروءة التي تجعله ينأى عن غمط الآخرين في تهريج مبتذل أو «الرجولة» التي تجعله يعترف بقصوره وتحمله لمسؤولية ما حدث لبلاده من انهيار اقتصادي واختلال سياسي.
إنّ الأُمم تنجح عندما يكتمل بها بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية وتُدار من كافة أطياف المجتمع دون تمييز عرقي أو طائفي في تناغمٍ بنّاء، وعندما يوجد التطبيق العادل لمبدأ تكافؤ الفرص بين مكونات الشعب كما يؤكد ذلك أيضاً جيمس روبنسون ودارون آسيموغلو في كتابهما (لماذا تفشل الأمم).
وهو الأمر الذي لا يقبله وليس فقط لا يستوعبه الفكر الطائفي الضيق للإخوان ومن يدور في فَلَكهم من طرزانات المنابر وببغاوات المقالات والذين يقصرون الفكر الصحيح على أنفسهم في تكرار لمنطق فرعون: «قال فرعون لا أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، مدّعين أنهم يملكون حلول الأزمات كلها، فلما اعتلوا الكراسي استصغرنا كل الأزمات مع أزمتنا بهم!
إن الوهم الذي يعيشه المنصف المرزوقي وأمثاله غير قابل للإصلاح، لأن إصلاحه يعني اجتثاث طروحاتهم الهشة من أصولها وهو أمر لا يمكن أن يقبلوا به لأن في ذلك سقوط آخر ورقة توت عن خوائهم أمام أنصارهم، وأنصارهم بالتبعية لا يريدون سماع أي مناقشة تنتقد طروحات أسيادهم وكما يقول نيتشه:«أحياناً لا يرغب الناس بسماع الحقيقة لأنهم لا يريدون أن تتحطّم أحلامهم»!
المرزوقي ورفقاؤه من المتلاعبين بعقول الجماهير نكصوا على أعقابهم عندما قلبوا الأمور و قدّموا عصبيتهم لأحزابهم ونظرتهم الأحادية على الحق و المنطق وأخلاق الشرفاء، وانغمسوا بما يعرف بحرب المصطلحات والتي سبقهم بها الأمريكان وشعارهم ذائع الصيت:«الدفاع عن الحضارة الغربية» ليخرج هؤلاء بمصطلحات «أعداء الشعوب» و«الثورات المضادة» وأمثالها مما يوحي بطُهرانية قائلها وشيطانية الموصوف بها.
فاختلاق «عدو وهمي» تكتيك معروف لطالما تم استخدامه لإبقاء الأتباع مُسيّرين «لاشعورياً» خلف فكرة زائفة أو طائفة شاذّة أو حركة مغايرة للواقع، فبدون هذا العدو تكثر التساؤلات عن الوضع الداخلي وسلامة الفكرة وقد ينفضّ البعض ذاتياً عمّن اتّبعوه إن تجلّى خطأ الفكرة التي يدافعون عنها تماماً.
وفي الغالب لا يذهبون للجانب الآخر ولكن لجانب أكثر تطرفاً كما حدث لقطاعات كبيرة من شباب الإخوان فيما يعرف بجبهة اللجان الفرعية بانضمامهم لداعش، لذا لم يخطئ الكاتب الفرنسي بيار كونيسا في كتابه (صُنْع العدو) عندما ذكر أنّ «وجود العدو حاجة قومية ملحّة»!
لا ندّعي الحق لكننا نسعى له، ولا نتشِح بالمثالية لكننا نعمل على أن يكون يومنا خيراً من أمسه ومستقبلنا أكثر إشراقاً من حاضرنا، ولن يضرنا صوتٌ نشاز لسياسي فاشل إن هاجمنا بل سيضرنا لو امتدحنا، فالفاشل لا يمتدح إلا أمثاله ولا يعادي إلا الناجحين لأنهم يكشفون للدنيا قَدْره الحقيقي.
وعندما يتسابق رؤساء الدول الكبرى وعرّابو النهضة في الثناء على دولتنا الحبيبة وتتوافد أمواجٌ لا تنتهي من المستثمرين للعمل بها وتوقّع معها حكومات الدنيا اتفاقيات تنموية لا حصر لها فما ذاك إلا لأن الإمارات قدّمت نفسها بحكمة قيادتها وإخلاصها لشعبها كأرضٍ للفرص وتحقيق الأحلام.
وكلما ارتفع موقعها في مؤشرات الحضارة المختلفة وارتفعت معها رؤوس أبنائها فخراً ارتفع أيضاً «ضغط» زُمرة الفشل حسداً وحقداً من النجاح المدوّي لدولة تقف على نقيض طرحهم البائس، كما قال سبحانه:«ودّوا ما عَنِتُّمْ قد بَدَتِ البغضاءُ من أفواههم وما تُخفي صُدورهم أكبر»!
إن هذا وأصحابه لن يتوقفوا عن الترصّد لبلادنا التي كانت شوكة في حلوقهم، ولن ينسوا أنّ الإمارات وقفت مع خيارات الشعوب ضد مخططاتهم الفئوية وأحلامهم الساذجة، وكلما تكشّفت مؤامراتهم أكثر كلما زاد سُعارهم المحموم في الزج باسم الإمارات في كل شيء لكنهم لن يتحدثوا إطلاقاً عمّا تكشّف من تآمرهم على شعوبهم ولن يستطيعوا إطلاقاً ذِكْر انجازٍ يتيم لأي بائسٍ من زعمائهم: زعماء الدوبي!