تنتظر إيران مبالغ تتراوح بين 150 و200 مليار دولار من مبيعات نفطية سابقة وودائع مالية مجمدة، إضافة إلى استثمارات ضخمة من أطراف دولية متعددة، وهو ما فتح تساؤلات من عدة جبهات عن مصير تلك الأموال وكيف ستستخدمها القيادة الإيرانية، بينما سيتمكن الأسطول الإيراني الجوي من شراء طائرات تجارية ضخمة، بشرط عدم استخدامها في الأنشطة العسكرية..

وأيضاً سيفتح إلغاء العقوبات باب حرية التجارة بين الشركات الغربية ونظيراتها الإيرانية. كما قامت واشنطن تبعاً لرفع الحظر عن إيران، بشطب 400 شخص وكيان من لوائحها السوداء، كانوا قد اتهموا بانتهاك التشريع الأميركي بشأن العقوبات المرتبطة ببرنامج إيران النووي، والذي يحظر التعامل التجاري مع إيران..

إضافة إلى إلغاء الحظر النفطي الذي تستعد له إيران منذ عدة شهور في محاولة لغزو الأسواق الأوروبية القديمة التي فقدتها عقب حظر استيراد النفط منها، الأمر الذي يتطلب من طهران سياسة خارجية مرنة تخدم طموحات إيران الاقتصادية في أوروبا، حيث تعتزم طهران البدء في غزو سوق البتروكيماويات الأوروبي، ما سيعود عليها بأرباح تُقدر بنحو 2.5 مليار دولار سنوياً على الأقل، بعيداً عن القطاعات الاقتصادية الأخرى.

من حيث المبدأ تجب الإشارة إلى أن البرنامج النووي الإيراني لم يكن السبب المباشر في توتر العلاقات الإقليمية بين إيران والقوى الفاعلة بالمنطقة أو لنقل على أقل تقدير أنه لم يكن السبب الوحيد لذلك، وحقيقة الأمر أن برنامج إيران النووي في صورته الأولى أو لنقل في مرحلة ما قبل الاتفاق كان مصدر قلق للولايات المتحدة والقوى الغربية وإسرائيل بشكل مبدئي.

سبب التوتر الأساسي والمتصاعد في المنطقة يتمثل في التحركات والسياسات الإيرانية التي فيها تدخل سافر يصل إلى حد التخريب في الشؤون الداخلية للدول العربية والخليجية منها في القلب، فضلاً عن ممارساتها التي تؤدي إلى تصعيد الصراع المذهبي والطائفي غير المبرر. وانطلاقاً من هذه الحقائق الواضحة..

فإن تنفيذ الاتفاق النووي الملزم بين طهران والقوى الكبرى، لن يؤدي بشكل تلقائي إلى تحسين العلاقات الإيرانية الخليجية، وبالتبعية لن يسهل عملية الانتقال إلى حالة الاستقرار الأمني والسياسي المنشودة للمنطقة، ولكن هذا الاتفاق ترى فيه قوى إقليمية فاعلة دعماً لإيران، يمنحها مزايا كثيرة قد تطلق يديها نحو مزيد من التدخلات في شؤون المنطقة بعدما ترتدي ثوبها الجديد.

ويأمل البعض أن الاتفاق يساعد إيران على الشعور بنوع من الارتياح لرفع الحصار والعقوبات عنها، ودمجها في المجتمع الدولي مجدداً، ما يمنحها رئة مختلفة للبحث عن علاقة متوازنة مع جيرانها العرب والعالم والقوى الإقليمية.

ويعني ذلك أن حواراً استراتيجياً جديداً تطلقه وتخوضه وتتبناه القوى الإقليمية بنفسها لتجسير الهوة والقفز فوق الصعاب، قد يلعب دوراً في عودة الاستقرار المفقود، فمهما كانت التباينات في وجهات النظر أو الخلافات حول القضايا الحيوية، إلا أن مصائر الشعوب لا تتحدد ولا تتشكل وفقاً لمناهج أحادية في التوجهات السياسية، وأكبر دليل على ذلك الموقف الدولي الجديد ذاته تجاه طهران.

ولا شك في أن القوى الإقليمية لديها أسباب مشروعة وقوية للقلق، ولكنها يجب ألا تكون عائقاً لإقامة مثل هذا الحوار الاستراتيجي المأمول، في سبيل التوصل إلى تصور شامل ودائم للأمن الإقليمي للمنطقة، وأيضاً سعياً نحو بناء إجراءات جديدة للثقة المتبادلة على أسس واضحة وأرضية صلبة تصون وتحمي مصالح دول المنطقة، مع الكف عن التدخل في الشؤون الداخلية والترفع فوق التوجهات المذهبية والطائفية..

وقد سبقت الإشارة إلى أن السعودية ومعها الدول الخليجية والهيئات العربية والإسلامية، بعثت لإيران برسائل غاية في القوة بعد «أزمة النمر»، الأمر الذي يمثل أرضية صلبة نحو صياغة تصور متكامل للأمن الإقليمي يحمي مصالح الجميع.