إن بناء الثقة هي ذروة سنام النجاح التي تحققها الحكومات، ذلك أن هذه الثقة لا تقتصر على المؤشرات الاقتصادية فقط، مثل معدل النمو وغيره، بل إن هذه الثقة هي العامل الأكبر في تأكيد الصورة التي تنعكس تأثيراتها على التقدير الدولي الذي تحظى به الإمارات، المتمثل في التطلع دائماً إلى التجربة الإماراتية بكثير من الاحترام والتقدير، فضلاً عن استنساخها، وهو ما يمثل شكلاً مهماً للقوة الناعمة للدولة.
ولم يكن لهذه الثقة أن تنطلق إلى العالمية لولا أنها كانت امتداداً لثقة المواطن في حكومته، التي جاءت عبر جهد ملموس ومستمر في أداء الأجهزة الحكومية، ولم يتوقف هذا الجهد عند أرقام ومعدلات لا تعني الشعوب كثيراً، بل إن ما يميز منظومة العمل الحكومي في الإمارات أن أعمالها يجدها المواطن أمامه، ويشعر بها في حياته، ويلمس آثارها منعكسة عليه يوماً بعد يوم.
ولا شك أن حرص حكومة الإمارات على إسعاد الشعب وتجويد حياته هي الغاية الحقيقية من عملها، وهو سر هذا التلاحم بين القيادة والشعب، كيف لا وقد جعلت القيادة من المواطن مصدراً للفكر والتطوير، واستمعت إليه أينما كان، ومهما كان منصبه في السلم الإداري، وأزالت كل المعوقات بينها وبين التواصل معه، وأعطته الثقة فيما يملكه من مهارات قادرة على تحقيق المستحيل..
فما كان منه إلا أن أولاها ثقته فيما تخططه للمستقبل، وما تقوم به من ممارسات؛ تلك هي الرابطة والمعادلة الصعبة التي استطاعت أن تحققها القيادة الرشيدة، وهي الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، فصار الكل في واحد يداً بيد وكتفاً بكتف.
فكانت تطلعات الشعب دوماً هي اختيارات القيادة، وتوجهات القيادة هي ما يريده الشعب، فتحقق الإنجاز على المستوى التنموي، باعتبار أن المواطن هو صانع التنمية والهدف منها والضامن لاستمرارها عبر شعوره بأنه صاحبها، وأيضاً على المستوى السياسي.
وهنا تؤكد الدراسات المعنية بسيكولوجية الشعوب أنه عندما تثق الشعوب في قيادتها فإنها تكون دوماً مستعدة للاستجابة لكل ما تقوم به من إجراءات وتتخذه من سياسات، وبخاصة في أوقات الأزمات؛ ولقد تحقق ذلك جلياً على أرضنا الطيبة حين اصطف الجميع..
ولا يزالون، قيادة وشعباً في خندق واحد وعبر التلاحم الأسطوري بين القيادة والشعب في موقف الشدة، والذي كان لحظة حاسمة كشفت عن متانة الرباط بين القيادة والشعب، وتلك ثقة تتجاوز في روعتها كل المؤشرات والتقارير الدولية؛ لأنها صادرة من المعنيين بالأمر وأصحابه، وهم أبناء هذا الوطن الكريم.
هذه هي الحكمة المستخلصة التي تؤكد أن بناء الثقة بين القيادة والشعب هو أساس بناء الأوطان، وعلى قدر صلابة هذا البناء تكون قدرة الدول على مغالبة الصعاب، وتحقيق النماء، والصبر على الشدائد، والبذل في السراء والضراء.
وأخطر آفة تصيب الشعوب حين تنفك العروة بين القيادة وشعبها، فينفرط العقد وينحدر الوطن إلى مستنقع يصعب الخروج منه، حتى وإن كانت مكونات الدولة بمفهومها الاصطلاحي قائم من أرض وشعب وقيادة، غير أنه لم يعد لها وجود بالمفهوم السياسي، والشواهد من حولنا أكثر من أن تحصى شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً..
ولا شك أن ذلك يرجع في الجانب الأكبر منه إلى انعدام الثقة واتساع الفجوة بين الشعب وقيادته، والتي تلقي بظلالها على العلاقة بين أبناء الوطن الواحد، فيصبح التوجس هو سيد الموقف، وهو ما ينعكس على علاقة تلك الدول بمحيطها الإقليمي والعالمي، ففاقد الشيء لا يعطيه، وبدء السقوط المدوي إلى الهاوية.
ولا شك أن قصة الاتحاد ومسيرته تحكي أنه في البدء قام على الثقة في قادة أردوا الخير لشعوبهم، وآمنوا أن اتحادهم فيه الخير لهم ولشعبهم، فكانت دولة الاتحاد التي أسسها قادة ثقات قدموا صنيع الخير لشعوبهم، فكان أن وثقت بهم شعوبهم لتبدأ رحلة البناء والنماء محفوظة بسياج من المحبة بين قيادة أخلصت فبادلها شعبها حباً بحب وعطاء بعطاء.
وهو ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد؛ أن حصول دولة الإمارات على المركز الأول عالمياً في ثقة الشعب في الحكومة والثقة في الاقتصاد، والأولى عالمياً أيضاً في قدرة الحكومة على تحفيز الابتكار، إنما يأتي نتيجة مسيرة عمرها 43 عاماً بدأها زايد وراشد ويكملها اليوم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وإخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات، وترسخها الحكومة يوماً بعد يوم منهجَ عمل يحرص على تحقيق الحياة الكريمة للجميع، وهو ما يؤكد أن بناء الثقة هو السبيل إلى بناء الدول، بل قل - إن شئت الدقة - إن بناء الثقة قبل بناء الدول.
فطوبى لمن أسس وبنى، وطوبى لمن حافظ ونمَّى، وطوبى لمن أحب رمال هذا الوطن.